أمسكتُ بالهاتف بيدي المرتعشة، واتصلتُ بحمادة تحت نظرات جدي الصارمة. بمجرد ما فتح الخط، نبرة صوته كانت مليانة غطرسة ها يا ست ليلى؟ عرفتي إن الله حق؟ جدك الصقر بتاعك ده مبلّوش ويشرب ميته قدام الورقة اللي معاكِ. جدي شاور لي أكمل، فقلت بصوت مهزوز ومصطنع الانكسار خلاص يا حمادة.. أنا مش عايزة مشاكل، وابني أهم عندي من أي فلوس. جدي وافق يسحب البلاغ ويطلع مامتك، بس لازم نتقابل عشان تسلمني الورقة اللي معاك ونقطعها، وأنا أديك التنازل عن القضية.
جدي ابتسم ببرود وهو بيعدل عكازه وقال الخاين دايماً جبان يا ليلى، وهو اختار المكان ده عشان يضمن إن مفيش كاميرات ولا شهود، وميعرفش إنه كدة حفر قبره بإيده. نامي يا بنتي وارتاحي، الفجر قرب. قبل الفجر بساعة، جدي مكنش لوحده. كان معاه تلات رجالة من ولاد عمامي، ملامحهم قاسية ومن بتوع المهمات الصعبة. جدي قال لي أنتِ هتفضلي وصلنا المكان.. بيت قديم مهدوم وسط مزارع مقطوعة. كانت الدنيا لسه ضلمة، وكشافات عربية حمادة منورة في البعيد. حمادة نزل من عربيته وهو ساند ضهره عليها، وبكل بجاحة ولع سيجارة ومسك الورقة في إيده وهو بيتمخطر.
جدي نزل وسند على عكازه ومشي ناحيته بخطوات تقيلة وواثقة. حمادة زعق فين ليلى؟ وفين ورقة التنازل؟ جدي وقف قصاده وقال بصوت زي الرعد ليلى في الحفظ والصون، والورقة أهي.. طلع جدي ظرف، لكن قبل ما حمادة يمد إيده ياخده، جدي كمل بس قبل ما تاخدها يا حمادة، حبيت أوريك حاجة على تليفوني.. فيديو صغير هيعجبك أوي. جدي فتح الموبايل وشغله.. كان فيديو لحمادة وهو قاعد في كافيه مع واحد، وبيتفق معاه يزور توكيل وتنازل عن حضانة باسم ليلى مقابل مبلغ مالي. حمادة وشه جاب ألوان إنت.. إنت جبت ده منين؟
جدي ضحك أنا مراقبك من يوم ما دخلت بيتنا يا حمادة، والراجل اللي اتفقت معاه يزورلك الورق، ده بيشتغل عندي من عشر سنين! يعني الورقة اللي في إيدك دي فالصو، والورقة الأصلية اللي عليها بصمة ليلى الحقيقية ملمستش إيدك أصلاً. حمادة رمى السيجارة وحاول يركب عربيته ويهرب، بس جدي مد عكازه وعرقله، وقع حمادة على وشه في الطين. الضابط قرب منه وكلبشه، وحمادة بيصر,,خ يا ماما الحفيني! يا حاج إبراهيم ابوس رجلك سامحني!
جدي وطى عليه وهمس في ودنه بكلمات خلت جسمه يتنفض الفلوس اللي سـ,ـرقتها هترجع بالمليم، وأمك هتلبس قضية تستر واشتراك في تزوير، وأنت.. أنت هتعفن في السجن بتهمة تزوير محررات رسمية وشروع في خطف. وابنك؟ ابنك هسميه إبراهيم على اسمي، وهعلمه إزاي يدوس على اللي زيك. ركبنا وراجعين، والنهار بدأ يشقشق.. كنت فاكرة إن الكابوس خلص، بس فجأة تليفون جدي رن تاني، والمحامي صوته كان مرعوب يا حاج إبراهيم.. الحق! نوال هربت من المستشفى وهي في طريقها للنيابة، وفيه أخبار إنها رايحة على البيت اللي فيه ليلى والبيبي.. الست دي جن جنونها!
العربية السوداء كانت بتقرب مننا بجنون، وصوت الموتور كان بيصرخ كأنه وحش جعان. جدي إبراهيم بص وراه وثبت نظره على العربية، وملامحه اللي كانت هادية من شوية اتحولت لكتلة من الصخر. العربية السوداء خبطت ديل عربيتنا خبطة قوية خلتنا نلف على الطريق، وصوت صريخ نوال كان طالع من شباك عربيتها وهي سايقة بنفسها كأن الشيطان راكبها مش هسيبكم تتهنوا.. يا نمـ,ـوت كلنا يا نعيش كلنا! السواق بتاعنا، وهو واحد من رجالة جدي الموثوقين، قدر يسيطر على العربية قبل ما تنقلب بينا، وبدأ يزود السرعة وهو بيحاول يهرب من مطاردتها في وسط المزارع والضلمة اللي لسه مابقتش نهار كامل.
ناحية الترعة. كنت ضامة ابني لصدري وبقرأ كل آيات القرآن اللي حافظاها، ودموعي نازلة مغرقة وشه الصغير وهو صرخته مش مبطلة. فجأة، وبدون مقدمات، ظهرت عربية صقر من قدامنا وهي مشغلة النور العالي، ونوال اتفاجئت بيها. حاولت تفادي التصادم، فكسرت الدريكسيون يمين بقوة.. وفي ثانية، طارت عربيتها في الهوا ووقعت وسط الغيطان وانقلبت كذا مرة لحد ما استقرت على سقفها.\ العربية بتاعتنا وقفت بفرملة مرعبة، وجدي نزل قبل أي حد، وجرينا كلنا ناحية العربية اللي اتقلبت. نوال كانت محشورة جوه، والدـ,ـم مغطي وشها، بس كانت لسه واعية وبتبص لنا بنظرات كلها غل وحقد.
جدي وقف قدام العربية وهي متدمرة، وبص لها بأسى وقرف شوفتي يا نوال؟ الطمع نهايته إيه؟ كنتي عايزة تسـ,ـرقي وتخـ,ـطفي، والآخر لبستي في الحيط.. وابنك اللي ضيعتي عمرك تلمي له الحرام، أول واحد باعك وهرب. جدي رد عليها بحسم انطقي يا نوال.. قولي لي حمادة شال الفلوس اللي سحبها النهاردة فين؟ أنا عارف إنك أنتِ اللي مدبرا له المخبأ، انطقي قبل ما تروحي للي خلقك والذنب ده في رقبتك. نوال ضحكت ضحكة مكسورة وهي بتنزف حمادة.. حمادة زمانه في المطار.. الفلوس معاه.. وهيسافر.. مش هتاخدوا منه مليم.
قلبي وقع في رجلي.. المطار! يعني كل اللي عملناه ده وحمادة جدي بص لصقر وقال له كلم المطار، وبلغ عن حمادة بلاغ رسمي بسـ,ـرقة وتـ,ـزوير، واعرف لي الرحلات اللي طالعة دلوقتي. وبعدين بص لي وقال اركبي يا ليلى.. لسه فيه جولة أخيرة، وحمادة مش هيشم ريحة طيارة طول ما أنا بتنفس.
سبنا نوال للإسعاف والشرطة اللي وصلت، وطار بينا السواق على المطار. جدي كان بيسابق الزمن، وكل دقيقة بتعدي كانت كأنها سنة. وصلنا صالة المغادرة، وجدي نزل بكل هيبته، ودخلنا وسط الناس ندور على الحرامي.وفجأة، لمحت قفا حمادة وهو واقف في طابور الجوازات، لابس كاب ونظارة شمس، وشايل شنطة هاند باج صغيرة، باين عليها إنها تقيلة باللي فيها. حمادة اتنفض كأنه لمس سلك كهرباء، وبص وراه برعب.. وشه كان شاحب كأنه ميت. بص لجدي وبص لي وأنا شايلاه ابنه، ولقى نفسه محاصر برجالة جدي وبأمن المطار اللي وصل لهم البلاغ.
الضابط قرب منه أستاذ حمادة؟ مطلوب القبض عليك بتهمة التـ,ـزوير والاستـ,ـيلاء على أموال غيرك.. اتفضل معانا والشنطة دي تتفتح فوراً. جدي شد الشنطة منه وفتحها قدام الناس، وطلعت منها رزم الدولارات والمصري، وفوقهم التوكيل المزور. جدي بص له بابتزاز أخير وقال الفلوس دي هترجع لليلى، والورقة دي هتتقطع قدام عينك، وأنت هتمضي على ورقة طلاقها دلوقتي حالا قبل ما تروح القفص.. وإلا هخلي القضية جناية مش جنحة وتنسى شكل الشمس ٢٠ سنة! حمادة، بجبنه المعهود، وقع على ركبه وبدأ يبوس إيد جدي هطلقها.. هطلقها وأرجع كل حاجة، بس مشوني من هنا!
جدي طلع ورقة الطلاق اللي كان محضرها، وحمادة وقع وهو إيده بتترعش، والدموع في عينيه مش ندم.. دي كانت دموع الخسارة. رميت له الدبلة في وشه وقولت له أنت خسارة فيك حتى الكلمة، وابني هكبره بعيد عن ريحتك وريحة أهلك. اتسحب حمادة بالكلبشات وسط نظرات الاحتقار من كل اللي في المطار، ولفيت لجدي ورميت راسي على كتفه خلصت يا جدي؟ رجعنا البيت، وكل ركن فيه كان بيفكرني بالوجع والحرمان اللي عشته وأنا فاكرة إني فقيرة، مكنتش أعرف إن الفقر الحقيقي هو فقر النفس والأخلاق اللي كان حمادة وأمه عايشين فيه.
دخلت شقتي مع جدي، ولقيت المحامي مستنينا ومعاه شنطة كبيرة. جدي شاور لي أقعد وقال بصوت فيه هيبة الحكمة يا بنتي، الفلوس بتروح وتيجي، والكسرة اللي انكسرتيها دي كانت اختبار ليكي عشان تعرفي مين الصادق ومين اللي عينه على جيبك.. خدي الشنطة دي. فتحت الشنطة، ولقيت فيها عقود لثلاثة محلات تجارية كبار في وسط البلد، ومبلغ مالي ضخم غير اللي حمادة رجعه. بصيت لجدي باستغراب، فكمل كلامه المحلات دي كانت باسمك من يوم فرحك، بس كنت مخبي العقود عند المحامي عشان أشوف حمادة هيصونك ولا هيصون قرشك.. وللأسف، سقط في الاختبار من أول لحظة.
إن المال السايب بيعلم الس,,رقة، بس مش بس مال الفلوس.. مال المشاعر كمان. لما تدّي ثقتك لحد، متغميش عينيكي بالكامل، سيبي باب موارب للحقيقة. والحق مبيضعش أبداً طالما وراه حد بيطالب بيه، والظلم مهما طال ليله، لازم شمس العدل تطل وتكشف المستور. مرت الشهور، وحمادة وأمه نالوا جزاءهم ورا القضبان بتهم التـ,ـزوير والسـ,ـرقة والشروع في القتـ,ـل، وأنا بدأت حياتي من جديد. فتحت مشروع صغير باسم ابني، وبقيت أنا اللي بدير مالي وحياتي بوعي وقوة.
وفي يوم، وأنا واقفة في شرفة بيتي، بصيت للسما وقلت الحمد لله إن الحقيقة ظهرت وأنا لسه في عز شبابي، عشان أربي ابني على إن الرزق الحلال بيبني بيوت، والحرام بيهدم قصور، وإن الكرامة أهم من لقمة العيش المذلولة. لا تثق ثقة عمياء فتُصاب بالعمى عن الحقائق، فالأقنعة مهما تجملت لابد أن تسقط، ومعدن الرجال لا يظهر في الرخاء، بل في وقت الشدة والأمانة. تمت.
