بنتى بتحب مرات ابوها أكتر منى ووخداها قدوه ليها بتقلدها فى كل حاجة لبسها طريقه كلامها اكلها وكل حاجه كنت اشوفها تلف طرحتها نفس اللفه اللى مرات ابوها بتلفها وتعمل نفس رسمه العين اقولها انتى احلى من غير ماترسمى عينك وغيرى لفه الطرحه تتهمنى أنى بغير منها عشان بابا مش بيحبك تقولى انتى ماعندكيش كرامه مكمله ليه معاه وهو متجوز واحده تانيه ومش مهتم بيكى كلام البنت كان زي الرصاص، طالع ببرود وبقسوة ماكنتش أتخيل إنها ممكن تطلع من قلب طفلتي اللي ربيتها بدموع عيني.
كلماتها بتخبط في جدار صدري، بتهد كل اللي بنيته عشانها، وبتحطني في خانة “الست اللي مكسورة”. قعدت على طرف السرير، وحسيت الأرض بتلف بيا. كنت ببص لنور، ملامحها وهي بتبصلي بتهكم، نظرة الاستعلاء اللي اتعلمتها من “هناك”.. نظرة “الست اللي واثقة إنها خطفت كل حاجة”. ـ “بتقوليلي الكلام ده يا نور؟ أنا اللي عيشت عمري كله بدفن أوجاعي عشان أنتِ ما تحسيش بفرق؟ أنا اللي بقيت بلملم شتات نفسي كل يوم عشان أقوم أطبخلك وأذاكرلك وأعيشك في جو هادي.. عشان في الآخر أسمع منك إن ماليش كرامة؟”
بصيت لنفسي في المرايا، شفت الست اللي ضحت بكل طموحها، بكل شبابها، عشان “بيتها” يفضل واقف، والنتيجة؟ إن بنتي بقت بتشوف “كرامتي” في إني أسيب البيت وأمشي، مش في إني أحافظ على تربيتها وأفضل موجودة في حياتها. حاولت أقعد معاها اكلمها إن كده غلط وتفكيرها غلط وأنى رضيت اكمل عشانها لكن كلامى ده كان هوا بالعكس كانت بتقولى كلام يوجعنى اكتر قررت انى مش هسكت اكتر من كده واتصلت بباباها تفتكروا باباها هيعمل ايه وهيوقف فى صف مين
…اتصلت بباباها، وإيدي بتترعش من كتر القهر والوجع. كان عندي أمل، ولو بنسبة واحد في المية، إنه لما يسمع اللي بنته قالته لـ أمها، يتحرك فيه عرق النخوة، ويفتكر إن الست اللي اتهانت دي هي اللي شالت اسمه وصانت بيته وسكتت على جرحها عشان المركب تمشي. رن التليفون.. وجالي صوته اللي بقيت بحسه غريب عني: ـ “خير يا أم نور؟ في حاجة؟” نبرة صوته الجافة خلت غصّة في حلقي، بس استجمعت قوتي وقولتله:
ـ “بنتك يا أحمد.. بنتك واقفه قدامي بتقولي يا مكسورة ويا اللي معندكيش كرامة! بنتك جاية تقيّم حياتي وتعايرني بوجودي في البيت ده.. بنتك اتعلمت هناك في بيتك التاني إن قهرتي انتصار، وإن سكوتي ضعف!” سكت لثواني، حسيت فيهم بملل في أنفاسه، وقبل ما ينطق، كنت متوقعة إنه يزعق، أو يقولي هجيلها وأربيها.. لكن الصدمة كانت أكبر.
ـ “جرى إيه يا أم نور؟ أنتِ هتعملي عقلك بعقل عيلة؟ البنت لسه صغيرة وبتلقط كلام، وبعدين هي مقالتش حاجة غلط.. مش أنتِ فعلاً اخترتي تكملي؟ محدش غصبك. وبعدين مراتي مالهالكش دعوة بيها، هي مابتلقنهاش حاجة، بنتك بس معجبة بشخصيتها وستايلها، وده مش ج*ريمة!” الكلمات نزلت عليا زي الميّة الساقعة.. فوقتني. أحمد مش بس مش هيقف في صفي، أحمد هو اللي مغذي الفكرة دي في البيت التاني. هو اللي راسم صورتي قدام مراته التانية وقدام بنتي على إني “الست المضمونة اللي ملهاش ملجأ غيره”.
قفل السكة بعد ما قال الكلمتين دول بحجة إنه مشغول، وبصيت لنور اللي كانت واقفة بعيد، ساندة على الباب، ومربّعة إيديها، وعلى وشها ابتسامة نصر صغيرة.. ابتسامة بتقول: “شفتي؟ حتى بابا مش واقف معاكي”. في اللحظة دي، وفي قمة انكساري، انطفى جوايا الخوف. الخوف اللي كان مخليني مستحملة الإهانة والوجع والعيشة القاسية عشان “البنت” و”كلام الناس”. عرفت إن التضحية لما بتقدميها لناس مش مقدراها، بتتحول في عينيهم لـ “فرض عين” و”ضعف”. وعرفت إن بنتي مش هتحترمني طول ما أنا مش محترمة نفسي وراضية بالهوان.
مسحت دموعي وبصيت لنور بنظرة هادية جداً، نظرة خلت الابتسامة تختفي من على وشها وحلت مكانها الريبة. ـ “أنتِ عندك حق يا نور.. أنا فعلاً غلطت لما افتكرت إن كرامتي في إني أحافظ على بيت مهدود. وغلطت لما افتكرت إن التضحية بتربي.. التضحية لغت شخصيتي وخليتك تشوفي أمك ضعيفة.” دخلت أوضتي، طلعت الشنطة الكبيرة اللي كنت دافناها في الدولاب من سنين. وبدأت ألم فيها لبسي وحاجتي.. بهدوء شديد، من غير صريخ ولا عياط. نور بدأت تقلق، مشيت ورايا وهي مبرقة:
ـ “ماما.. أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ رايحة فين؟” ـ “رايحة أرجع كرامتي اللي ضيعتها عشانك يا نور.. رايحة للست اللي كان المفروض أكونها من زمان. ومن النهاردة، تقدري تروحي تعيشي مع طنط وتلفي طرحتك زيها براحتك، وتتعلمي منها كل حاجة.. بس بكرا الأيام تلف، وهتعرفي مين اللي كانت حامياكي بجد.” قفلت الشنطة، ومسكت تليفوني، وطلبت محامي.. وقولتله جملة واحدة: “عايزة ارفع قضية طلاق ونفقة.. النهاردة قبل بكرة”. نقطة تحول (بعد مرور سنة) السنة دي كانت بمثابة ولادة جديدة ليا. اشتغلت، ورجعت لدراستي، وبقى ليا كيان وصوت وضحكة طالعة من القلب. العيشة مكانتش سهلة في الأول، بس كانت بكرامة.
أما نور؟ أحمد ومراته التانية في الأول عاشوا الدور، بس مع الوقت، مراته زهقت من مسؤولية بنت مش بنتها، وبدأت المشاكل تظهر، وبدأ “الوش الحقيقي” يبان.. نور مبقتش البنت المدللة هناك، بقت العبء اللي مرجّع سيرة الطليقة في البيت. في يوم، الباب خبط.. فتحت، لقيت نور واقفة، الشنطة في إيدها، ودموعها مغرقة وشها. لفة طرحتها مكانتش مظبوطة، ورسمة عينها كانت سايحة من العياط. بصتلي بكسرة وقالت بصوت يرتجف: ـ “سامحيني يا ماما.. أنا عرفت قيمتك متأخر.. هناك مفيش أم، هناك في مظاهر بس.. أنا عايزة أرجع لحضنك.”
بصيت لبنتي.. قلبي الأمومي اتهز، بس المرة دي مش هأقويها على حساب نفسي. هأخدها في حضني، بس هعلمها إن الاحترام والكرامة هما أساس أي علاقة.. حتى علاقة الأم ببنتها. انتهت القصة. اذكروا الله، وشاركونا رأيكم: هل تضحية الأم دايماً بتجيب نتيجة عكسية لو زادت عن حدها؟
