كل يوم مرات أخويا الجديدة كانت بتاخد مخدتها وتدخل أوضة نومي وتتحايل عليا عشان تنام في نص السرير بالظبط بيني وبين جوزي. جوزي كان بيقولي: “كبري دماغك وماتركزيش معاها”. في الأول، قلت البنت دي أكيد تعبانة في دماغها أو مش متزنة، وبعدين الشك بدأ يلعب في عبي وقلت يمكن عينيها من جوزي وراسمة عليه! بس في الليلة السبعتاشر، صحيت في عز الضلمة على صوت “تكة” باردة تخض. “ياسمين”، مرات أخويا، كلبشت في إيدي جامد من تحت الغطا، وبحركة سريعة ومن غير ولا همسة كانت بتحـ,ـذرني إني ماتحركش من مكاني نهائي.
دي كانت اللحظة اللي استوعبت فيها الحقيقة المرعبة.. الحقيقة اللي كانت هتهد البيت وتخرب عيلتنا كلها #حكايات_على_ابوالدهب من أول ما أخويا الصغير “عمر” عزل وجيه يعيش معانا في البيت هو ومراته الجديدة “ياسمين”، وفيه حاجة غريبة جداً بتحصل كل ليلة. ”ياسمين” كانت بتظهر عند باب أوضتنا وهي شايلة بطانيتها متطبقة ومخدتها. تدخل الأوضة وتطلب تنام معانا. مش على الأرض.. ولا حتى على الكنبة.. لأ، في النص بالظبط! بيني وبين جوزي “محمود”. أول كام ليلة، حاولت أطول بالي وأستحمل. قلت معلش عرسان جداد ولسه بياخدوا على الوضع، والجواز في أوله بيبقى فيه دربكة، والبيت الجديد برضه بيبقى رهبة على أي بنت.
قلت لها مرة: “نامي مطرح ما ترتاحي يا حبيبتي، البيت بيتك ولا يهمك”. بس الحقيقة، الموضوع ماكانش طبيعي خالص. الشكوك بتزيد على الليلة الخامسة، الزهق والخنقة بدأوا ياكلوا فيا. فقمت سألاها على بلاطة: “هو اشمعنى يعني لازم تنامي في النص بالذات؟” ياسمين اتهزت، وعينيها كانت حمرا ومدمعة كأنها كانت بتعيط، وهمستلي: ”في النص بحس بأمان ودفا أكتر يا أختي.. إحنا عندنا في البلد، العروسة لما تعيش في بيت أهل جوزها في الأول، ممكن تخاف بالليل. والنوم في وسط اللمة بيطرد الكوابيس”.
العذر بتاعها كان غريب ومريب لدرجة إني اتلجمت ومابقتش عارفة أرد أقول إيه! على الليلة العاشرة، الجيران بدأوا يتهامسوا إن فيه حاجة مش مظبوطة بتحصل في بيتنا. كل ليلة، صوت بطانية ياسمين وهي بتحف في دربزين السلم وهي طالعة كان بيعلن وصولها، والموضوع بقى عامل زي طقس يومي سخيف ومقلق. في ليلة من الليالي، قلتلها: “طب ليه ماتروحيش تنامي في أوضة حماتك أحسن؟” هزت راسها بسرعة وقالتلي: “أصل أنا بشخر وأنا نايمة، ومش عايزة أقلقها وأزعجها”.
كنت همـ,ـوت وأصرخ في وشها وأقولها: “ما أنتِ طافحة على دـ,ـمي ومضايقاني أنا!” بس “محمود” جوزي بصلي بصه هادية وقال: “عديها يا ستي.. سرير زحمة شوية أحسن ما نسيبها مرعوبة لوحدها”. كلامه ده، بدل ما يهديني، حسسني إن ماليش ضهر وإنهم مستفردين بيا. #حكايات_على_ابوالدهب المصيبة ماكانتش بس في السرير الضيق اللي مش مكفينا.. المصيبة كانت في تصرفات ياسمين نفسها أول ما بتدخل تنام. كل ليلة، كانت تظبط مخدتها برصة غريبة كده، وتتفرد على السرير من غير ما تتهز، وتفضل مبرقة في الضلمة.
كأنها مستنية حاجة.. أو بتراقب حاجة! بالنهار، البنت دي كان مستحيل تكرهها. كانت بتطبخ، وتكنس، وتمسح، وتطبق الهدوم، وبتخدم في كل حاجة. كانت نسمة، وخدومة، ومؤدبة بزيادة. وده بالذات اللي كان بيخلي الليل مرعب أكتر! لأن طيبتها دي ماكانتش مبرر أبداً إنها تحشر نفسها بيني وبين جوزي، وتستخدم جسمها كأنه حيطة سد أو درع ضد حاجة محدش فينا راضي يجيب سيرتها. #حكايات_على_ابوالدهب في الليلة السبعتاشر، أنا كنت جبت آخري ومابقتش قادرة أمثل إني عادي ومتقبلة الوضع.
وفجأة.. سمعت الصوت. تَك. فتحت عيني في فيمتو ثانية. الصوت ده ماكانش جاي من ناحية الشباك. بعد الصوت ده، نزل علينا هدوء تام وقـ,ـاتل، لدرجة إني كنت سامعة دقات الساعة بتكتك بوضوح. جيت أرفع نفسي سنة كده.. لقيت ياسمين بتتحرك جنبي. إيدها اتسحبت بالراحة من تحت البطانية ولمست إيدي. كلبشت في إيدي جامد.. مرة واحدة.. وبشويش. دي ماكانتش لمسة عشان تطمني.. ده كان إنذار! (إياكي تتحركي). جسمي كله اتنفض وقشعر. كنت عايزة أصحي محمود، بس الكلام وقف في زوري ومفيش ولا حرف راضي يطلع.
وفجأة شفتها.. خط نور رفيع ظهر من تحت باب الأوضة، شق الضلمة زي السـ,ـكينة. النور مشي بالراحة على الأرض، وسرح على الحيطة، ووقف. كتمت أنفاسي. وبعدها جه صوت تاني.. تَاك. صوت خفيف أوي.. ومحسوب جداً. زي ما يكون ضافر بيخربش أو بيخبط على خشب الباب. بصيت ناحية محمود، كان مديني ضهره، ونفسه بطيء وماشي على وتيرة واحدة.. أو يمكن كان بيمثل عليا إنه غـ,ـرقان في النوم! في اللحظة دي، ياسمين عملت حركة خلت الدـ,ـم يهرب من عروقي.
من غير ولا همسة، اتسحبت لفوق شوية في السرير.. يادوب كام سنتي. بس الحركة دي كانت كافية.. كافية إن راسها تداري خط النور اللي ضـ,ـارب من تحت الباب تماماً. وفي اللحظة دي.. الحقيقة الصادمة نزلت زي القلم على وشي وفهمت الليلة كلها. ياسمين عمرها ما كانت بتنام وسطنا عشان خايفة من الضلمة ولا كوابيس.. هي كانت بتتحامى فيا وبتستخدم وجودي كدرع ليها. والشخص اللي هي مرعوبة وعمالة تستخبى منه.. ماكانش برا الأوضة خالص. ده كان نايم جنبي أنا.. في نفس السرير
الدـ,ـم اتجمد في عروقي، وحسيت بنبضات قلبي بتدق في وداني زي الطبل. عيني كانت مبرقة في الضلمة، باصة لضهر محمود جوزي اللي كان نايم جنبنا بكل برود، وباصة لياسمين اللي كانت بتترعش جنب إيدي. الفكرة نفسها كانت بتعصر دماغي: *يعني محمود هو السبب؟ محمود اللي بقالي معاه تلات سنين ومشفتش منه الهوا؟ ومحمود بيعمل إيه أصلاً يخلي مرات أخوه تترعب منه الرعب ده كله؟!* ### الساعات الأخيرة قبل الفجر
الخط الرفيع بتاع النور اللي كان جاي من تحت الباب اختفى فجأة، وصوت الخربشة الخفيفة وقف. ياسمين لسه مكلبشة في إيدي، وصوابعها كانت ساقعة زي التلج. حاولت أسحب إيدي براحة عشان مالحظش أي حركة، بس هي زادت في الكلبشة وكأنها بتقولي: *”لو اتحركتي هنمو.ت إحنا الاتنين”*. فضلت صاحية لحد ما النور بتاع الفجر بدأ يشقشق من الشباك. أول ما خيوط الشمس الأولى دخلت الأوضة، محمود اتمطع، ولف وشه ليا، وفتح عينيه وبصلي بابتسامته الهادية العادية جداً وقال:
> *”صباح الخير يا حبيبتي.. إيه ده، أنتِ صاحية من بدري؟”* > بصيت في عينيه وكنت بدور على أي ملامح مجـ,ـرم، أو أي إشارة للي حصل بالليل، بس ملقيتش غير وشه البشوش بتاع كل يوم. ياسمين في اللحظة دي اتسحبت من السرير من غير ما تنطق بكلمة، أخدت مخدتها وبطانيتها، وبصتلي بصه سريعة كلها رجاء وخوف، وخرجت من الأوضة. طول النهار، البيت كان قالب على هدوء مريب. ياسمين كانت بتتحرك زي الشبح، بتعمل شغل البيت وعينيها في الأرض، وكل ما محمود يعدي من جنبها، كانت بتنكمش على نفسها وتستخبى ورا أي حاجة. ومحمود؟ محمود كان بيتعامل عادي جداً، لدرجة تخوف.
### المواجهة المكتومة بعد الغدا، عمر أخويا الصغير نزل يخلص ورق تبع الشغل، ومحمود نزل يصلي العصر في المسجد ويروح لواحد صاحبه. لقيتها الفرصة المناسبة. دخلت المطبخ على ياسمين، وقفت وراها وقفلت الباب بالترباس. البنت أول ما سمعت صوت الترباس اتنفضت والطبق وقع من إيدها ااتشير مية حتة. * **أنا (بصوت واطي ومخنوق):** “ياسمين.. قسماً بالله لو ما نطقتي وفهمتيني إيه اللي بيحصل بالليل لأكون قالبه الدنيا ومكلمة أخويا ومودياكي في داهية. محمود ماله؟ وبيعمل فيكي إيه؟”
* **ياسمين (دموعها نزلت شلالات وبدأت تترعش):** “والله العظيم أنا مظلومة يا ندى.. أنا مش طمعانة في جوزك ولا عايزاه، أنا بترعب منه!” * **أنا:** “بتترعبي منه ليه؟ إيه النور اللي كان تحت الباب؟ وإيه صوت التكة دي؟” ياسمين قعدت على الأرض من كتر الرعب، ولمت رجليها لصدرها وقالتلي كلام خلاني أحس إن البيت اللي أنا عايشة فيه ده مش بيتي، وإن الراجل اللي نايمة جنبه ده مش جوزي. ### اعتراف ياسمين الصادم
> *”يا ندى، الحكاية بدأت من الليلة الرابعة لينا في البيت هنا. عمر أخوكي كان نايم في سابع نومة بعد يوم شغل طويل. صحيت بالليل عشان أشرب، وكنت طالعة المطبخ اللي في الدور الفوقاني. وأنا ممرقة من جنب أوضتكم، سمعت صوت همس غريب. الباب كان موارب سنة، وبصيت من غير ما أقصُد.”* > ياسمين بلعت ريقها بصعوبة وكملت:
> *”شفت محمود.. ماكانش نايم. كان قاعد على السرير، وفاتح لاب توب صغير مش بتاعه، وكان بيتكلم في الفون بصوت مش بتاعه اصلاً.. صوت خشن ومخيف. كان بيقول لواحد: ‘البنت والواد بقوا تحت إيدي في البيت، والأمانة هتوصلك الأسبوع الجاي.. محدش هيشك في حاجة، كله هيبان إنه قضاء وقدر’.”* > أنا ركبي سابت، وسندت على الرخامة: “أمانة إيه؟ وقضاء وقدر إيه؟”
> *”أنا اتخضيت ورجعت لورا”* ياسمين كملت وهي بتبكي: *”رجلي خبطت في فازة صغيرة على التربيزة برة. في ثانية، محمود قفل اللاب توب وطلع. أنا جريت واستخبيت في ضلمة الطرقة. هو طلع ولف في البيت، وكان في إيده ‘مطـ,ـواة’ صغيرة.. هي دي اللي بتعمل صوت (التكة) اللي سمعتيها بالليل! هو عرف إن فيه حد صاحي وبيراقبه، ومن ساعتها وهو بيدور على اللي كشفه. أنا لو نمت في أوضتي مع عمر، محمود ممكن يدخل يخلص علينا إحنا الاتنين ويقول حرامي أو أي حاجة..
هو عارف إني بخاف منه، وعارف إني كشفته، بس مش قادر يلمسني طول ما أنا نايمة في وسطكم، عشان وجودك أنتِ بالذات بيمنعه ينفذ خطته، لأنك هتشوفيه وتكشفيه!”* ### الليلة الحاسمة الكلام نزل عليا زي الصـ,ـاعقة. محمود جوزي، المهندس الطيب الهادي، بيخطط لحاجة مصـ,ـيبة تخص أخويا ومراته؟ “الأمانة” دي ممكن تكون إيه؟ فلوس؟ ولا ورث؟ ولا تجارة مشـ,ـبوهة؟ وعمر أخويا غلبان ومش فاهم حاجة.
ساعتها فهمت ليه محمود كان بيقولي دايماً *”عديها وسيباها تنام”*.. هو ماكانش حنين، هو كان بيحاول يظهر بمظهر الطبيعي عشان ما لفتش نظري لأي حاجة، وكان مستني ياسمين تغلط غلطة واحدة أو تنام في أوضتها ليلة واحدة عشان يخلص الحكاية. سألتها: “وطيب وخبطة الضوافر والنور اللي تحت الباب؟” قالتلي: “ده محمود.. بيقوم بالراحة من جنبك في وسط الليل من غير ما تحسي، ويطلع برة الأوضة ويلف حوالين البيت ويخبط على الباب عشان يرعبني، ويشوف لو هخاف وأطلع جري، كأنه بيلعب معايا لعبة القط والفار ويقولي: ‘أنا سامعك وعارف إنك صاحية’.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح الباب الخارجي بيلف. محمود رجع. ياسمين قامت بسرعة ومسحت دموعها ولمت الإزاز المكـ,ـسور، وأنا حاولت أظبط وشي وطلعت استقبله. بصيت في إيده.. كانت الساعة في إيده الشمال، وجيبه منفوخ سنة.. شكلها المطـ,ـواة الصغيرة. * **محمود:** “أهلاً يا حبيبتي، مالك وشك أصفر كده ليه؟” * **أنا (بحاول أبتسم):** “لا أبداً يا حبيبي، يمكن بس قلة نوم من زحمة السرير بتاع كل يوم.” * **محمود (ابتسم ابتسامة غامضة):** “معلش.. كلها كام يوم والسرير هيفضى علينا تاني، وكل واحد يرجع لمكانه الطبيعي.”
الجملة دي خلعت قلبي من مكانه. “كلها كام يوم والسرير هيفضى”. ده تهـ,ـديد صريح. ### الخطة النهاردة الليلة التمنتاشر. أنا وياسمين بقينا في الهوا سوا. لو حسست محمود إني عرفت، ممكن نكون أنا وأخويا وياسمين الضـ,ـحايا الجايين. وعمر لو عرفتة دلوقتي ممكن يتهور ويروح يتخانق معاه ومحمود يخلص عليه. أنا دلوقتي قاعدة في الصالة، وباصة للساعة اللي بتقرب من 11 بالليل. ياسمين دخلت وشايلة مخدتها وبطانيتها وعينيها ماليانة رعب. محمود قاعد بيقرا كتاب وبيقفل تليفونه.
الليلة دي مش هتبقى زي كل ليلة. أنا حطيت تليفوني تحت المخدة وشغلت مسجل الصوت من دلوقتي. وقررت إني مش هنام.. الليلة دي أنا اللي هراقب القط والفار، ولازم ألاقي طريقة أخرج بيها أنا وأخويا ومراته من البيت ده قبل ما “الأمانة” توصل، وقبل ما السرير يفضى علينا فعلاً!