محمود قفل الكتاب، وبص لياسمين وهي واقفة بالمخدة والبطانية، وابتسم نفس الابتسامة الباردة اللي بتهد الحيل، وقال: ”منورة يا عروسة.. يالا شدي الحافك ونامي، ليلة سعيدة علينا كلنا.” دخلنا الأوضة، وياسمين اتسحبت ونامت في النص، وجسمها كله كان خشبة من كتر الرعب. أنا نمت على الطرف، ومحمود نام على الطرف التاني. شغلت مسجل الصوت في الموبايل بالراحة من تحت المخدة، وحطيت إيدي التانية تحت راسي.. وعيني مبرقة في السقف. الليلة التمنتاشر: اللعب على المكشوف الساعة جت ٢ بعد نص الليل. الأوضة كانت هس هس، لدرجة إن نفسي ونفس ياسمين السريع كان مسموع. وفجأة، حسيت بالسرير بيخف من ناحية محمود.
محمود اتقلب براحة، وبحركة مفيش فيها أي صوت، سحب رجله ونزل من على السرير. كتمت نفسي وعملت نفسي نايمة تماماً. سمعت صوت “التكة” الباردة.. صوت المـ,ـطواة وهي بتفتح في الضلمة. ياسمين في اللحظة دي كلبشت في صوابع رجلي من تحت الغطا.. كانت بتترعش زي الفرخة المذبـ,ـوحة. محمود مشي في الأوضة على طراطيف صوابعه، وخرج وورب الباب وراه. في ثانية، كنت قايمة من السرير. ياسمين مسكت في بيجامتي وهي بتبكي من غير صوت وتوشوشني: “رائحة فين يا ندى؟ هيمـ,ـوتنا!”.. زقيت إيدها براحة وقلت لها بصوت زي الفحيح: “خليكي مكانك وماتتحركيش.”
مشيت وراه في الطرقة الضلمة. البيت كان هادي، بس شفت خيال محمود وهو نازل السلم الداخلي اللي بيودي على الدور الأرضي، الدور اللي فيه أوضة أخويا عمر. نزلت وراه خطوة بخطوة، والدموع مغـ,ـرقة عيني من الصدمة.. جوزي، حبيب عمري، بيتحرك في بيتي كأنه سـ,ـفاح. شفته وقف قدام أوضة عمر، وطلع تليفونه، وبدأ يتكلم بصوت واطي جداً.. بس تليفوني كان في إيدي بيسجل كل كلمة. المكالمة اللعينة محمود كان بيوشوش حد على الخط:
”أيوا يا باشا.. كله تمام. البنت مرعوبة ومش بتسيب أختي لحظة، وده مخليني مش عارف أتحرك براحتي. بس أنا رتبت كل حاجة. بكره بالليل عمر هياخد مراته ويطلعوا على طريق الإسكندرية الصحراوي، أنا لغمت له فرامل العربية.. الحـ,ـادثة هتبان طبيعية ١٠٠٪، والورق والعقود اللي عمر جابها من المحامي هتبقى في جيبنا، ومحدش هيعرف طريق الأراضي والفلوس اللي أبوه سابها قبل ما يمـ,ـوت.. الأمانة هتوصلك بكره بالليل، جهز القرشين.” ساعتها الدنيا لفت بيا. العقود! الأراضي!
أبويا الله يرحمه كان كاتب لعمر أخويا أراضي وفلوس شقا عمره كله برة مصر، وعمر لسه مستلم العقود دي من أسبوع من المحامي عشان يبدأ يشتغل بيها. محمود كان عارف، وكان بيخطط يخلص من عمر وياسمين عشان يسـ,ـرق العقود دي ويبيع الأراضي لحساب عصابة أو ناس تقال! محمود قفل السكة، ولف عشان يطلع. جريت بأقصى سرعة عندي من غير ما أعمل صوت، وارتميت على السرير واتغطيت، وعملت نفسي غـ,ـرقانة في النوم. دخل محمود الأوضة، وقف جنّبي شوية، حسيت بنظراته فوق راسي كأنها نـ,ـار.. وبعدين نام على السرير وكأن مفيش أي حاجة حصلت.خطة الفجر: قلب الطاولة
أول ما الفجر أذن، ومحمود دخل الحمام عشان يتوضى، سحبت ياسمين من إيدها وطلعنا برة الأوضة. جرينا على أوضة عمر الصغير. دخلنا وصحيناه وهو مخضوض. عمر (وهو بيفرك في عينيه): “في إيه يا جماعة؟ ياسمين؟ ندى؟ مالكم بتعيطوا ليه؟” أنا (مسكت تليفوني وشغلت له تسجيل المكالمة): “اسمع يا عمر.. اسمع شقا عمرك وجوز أختك بيعملوا فينا إيه.” عمر قعد على السرير، ووشه بدأ يتحول من الذهول للغضب الأعمى، وعروق رقبتها برزت. كان قايم يهد البيت على دماغ محمود، بس أنا مسكته جامد:
أنا: “لو دخلت له دلوقتي، هينكر، وممكن يتهور بالمطـ,ـواة اللي معاه ويـ,ـأذينا. هو فاكر إنه أذكى مننا، وإحنا لازم نلاعبه بنفس ذكائه.” اتفقت أنا وعمر وياسمين على خطة سريعة قبل ما محمود يخرج من الحمام. عمر نزل تحت بسرعة، وفتح كبوت العربية وعمل نفسه بيصلح حاجة، وكلم ميكانيكي صاحبه وبوليس النجدة في نفس الوقت يشرح لهم الوضع ويديهم التسجيل الصوتي. المواجهة الأخيرة الساعة جت ٨ الصبح. قعدنا كلنا على سفيرة الفطار.. المشهد كان يدرس. محمود قاعد بيشرب الشاي وبيدّعي البراءة، وعمر باصص له بنظرات قـ,ـاتلة، وأنا وياسمين إيدينا على قلبنا.
محمود: “شد حيلك يا عمر يا حبيبي عشان تسافر الإسكندرية تخلص شغل العقود.. الطريق طويل وخلي بالك من نفسك وأنت سايق.” عمر (ابتسم ابتسامة سخرية): “معلش يا حودة.. السفرية اتأجلت.” محمود (ملامحه اتغيرت واللقمة وقفت في زوره): “ليه؟ ده الشغل ميتأجلش!” عمر: “أصل الفرامل بتاعة العربية مقـ,ـطوعة بفعل فاعل.. وفي حد ابن حرام كان عايز يخلص مني أنا ومراتي النهاردة.” محمود وشة بقى أزرق، وقام وقف: “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ أنت بتتلمني أنا؟”
في اللحظة دي، دخلت أنا في الكلام وطلعت الموبايل وشغلت التسجيل بصوته الخشن وهو بيقول: “الحـ,ـادثة هتبان طبيعية ١٠٠٪.. وجهز القرشين”. محمود اتجنن، وعينيه اسودت، ومد إيده في جيبه وطلع المطـ,ـواة وفتحها بصوت “التكة” المـ,ـرعب، وصرخ: “والله ما هطلع من هنا غير والورق معايا، وهخلص عليكم كلكم!” النهاية محمود هجم على عمر، بس عمر كان جاهز وفادي الضـ,ـربة، ومسك إيد محمود ونزل بيه الأرض. في نفس الثانية، باب البيت اتكـ,ـسر ودخلت قوات الشرطة اللي عمر كان مكلمهم، ومعاهم الميكانيكي اللي فحص العربية وأثبت إن الفرامل ملعوب فيها بقصد القـ,ـتل.
الكلبشات حطت في إيد محمود، وهو خارج كان بيبصلي بنظرات غل وندم، وأنا كنت واقفة دموعي نازلة.. مش عليه، على السنين اللي عشتها مع ثعبان في دِخلة جوزي. التفتّ لياسمين، لقتها بتعيط وبتترعش، جريت عليها وأخدتها في حضـ,ـني جامد. بصيت للسرير اللي كان قالب حياتنا رعب، وقلت لياسمين ونفسي بيهدأ لأول مرة من ١٨ ليلة: ”خلاص يا حبيبتي.. السرير فضي علينا بجد.. ومحدش هيقدر يقربلك طول ما إحنا مع بعض.”