منوعات

مران اخويا 3

وفجأة، رمت نفسها من فوق السور! الصرخة اتكتمت في حلقي، وجريت أنا وتامر على السور وأنا برتعش وكلي يقين إني هشوف جثتها سايحة في دمها على الأرض تحت. لكن لما بصينا، ملحيناش غير ضلها وهي بتمشي بسرعة البرق وسط شجر الجناين المحاوطة البيت، وكأنها نزلت على مواسير الصرف اللي ورا السطوح بخفة مش بشرية، واختفت في الضلمة كأن الأرض انشقت وبلعتها. تامر رما العصاية من إيده وقعد على ركبه وهو بيشد في شعره وبيصرخ من الصدمة:

— البيت متباع؟ وأمها ماتت هنا؟ في إيه يا مريم؟ إيه الكلام اللي بتقوله ده؟! نزلت جري على السلم وأنا رجلي مش شايلاني، وتامر ورايا. دخلنا الشقة زي المجانين، وصوت الكركبة صحى مصطفى وأمي. أمي خرجت من أوضتها بتفرك في عينيها: — في إيه يا ولاد؟ صوتكم جايب آخر الشارع ليه؟ وفين نهى؟ وقفت قدام أمي وأنا بنهج ونفسي مقطوع، ومسكتها من كتافها: — أمي.. البيت ده بتاع مين؟ أبويا الله يرحمه اشتراه من مين؟ ومين الست اللي ماتت قهر هنا من تلاتين سنة؟ انطقي يا أمي عشان بيتك بيتهد ومرت أخويا طلعت جاية تنتقم مننا!

أمي أول ما سمعت الكلام، وشها اتقلب لونه للون التراب، والسبحة وقعت من إيدها واتفرطت الخرزات بتاعتها على البلاط. لفت وشها بسرعة وبصت للممر الضلمة اللي في آخر البيت، وجسمها كله بدأ يتنفض. مصطفى جوزي قرب وهو مش فاهم حاجة: — في إيه يا جماعة؟ فهمونا؟ نهى فين؟ أمي قعدت على أقرب كرسي وهي بتعيط وصوتها بيترعش:

— السر ده اندفــ,,ـــــن من تلاتين سنة يا مريم.. أبوكم الله يرحمه ما اشتراش البيت ده بالرضا.. صاحب البيت الأصلي كان راجل غلبان من بسيون، وأبوكم قفل عليه كل السكك ورفض يديله حقه في الأرض لحد ما الراجل اتطرد هو ومراته وبنته الرضيعة.. ومراته ماتت من القهر والتعب على عتبة البيت برة قبل ما يمشوا! تامر صرخ بذهول: — والبنت الرضيعة دي طلعت نهى؟! يعني نهى اتجوزتني بس عشان تدخل البيت وتنتقم مننا كلنا؟ أمي هزت راسها وهي بتبكي بحــ,,ـــــرقة:

— أنا شفت في عينيها نظرة مش مريحة من أول يوم دخلت فيه هنا، بس قلت يمكن متهيألي.. يا حزني عليكي يا ابني.. البنت دي مش نيتها خير. في اللحظة دي، والممر الضلمة كان هادي زي القبــ,,ـــــر، سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من المطبخ.. متبوعة بريحة غريبة بدأت تنتشر في الجو. ريحة غاز.. غاز قوي ومخلوط بريحة حاجة بتتحــ,,ـــــرق! مصطفى جري ناحية المطبخ وهو بيصرخ: — الأنبوبة مفتوحة.. وفي نــ,,ـــــار قريبة منها!

وقبل ما حد فينا يتحرك خطوة واحدة، النور انقطع تماماً عن البيت كله، وسمعنا صوت ضحكة نهى الناعمة والباردة بتتردد في وسط الضلمة من مكان مش عارفين نحدده جوة الشقة!حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الضحكة كانت بتلف حوالينا في الضلمة، ناعمة وبترن في وداننا كأن نهى واقفة جنب كل واحد فينا في نفس اللحظة. ريحة الغاز بدأت تكتم أنفاسنا، والنــ,,ـــــار اللي قادت في المطبخ كانت بترمي خيالات مرعبة ولونها أحمر على الحيطان. مصطفى صرخ بصوته كله:

— الكل يطلع برة! البيت هيولع! تامر شيل أمك واطلع! تامر سند أمي اللي كانت شبه غايبة عن الوعي ومبقتش قادرة تقف على رجليها من الصدمة والخوف، وبدأ يسحبها ناحية باب الشقة. مصطفى مسك إيدي وجرني وراه، لكن وأحنا بنقرب من الباب، لمحت خيال واقف في آخر الممر الضلمة.. خيال نهى! كانت واقفة وساندة على الحيطة، ولابسة نفس الشال الصوف، وماسكة في إيدها عود كبريت والشرار بيطلع منه. بصتلي في وسط الضلمة والنــ,,ـــــار وقالت بصوت هادي ومرعب:

— مش هتلحقوا تخرجوا يا مريم.. النــ,,ـــــار خلاص حاصرت المحبس، والبيت اللي اتبنى على القهر هينتهي بالرماد. مصطفى حاول يزق باب الشقة عشان نخرج، لكن الباب كان مقفول من برة بقفل حديد تقيل.. نهى كانت مرتبة لكل حاجة وقافلة الباب علينا من برة قبل ما تدخل تاني من الشبابيك أو السطوح! — الباب مقفول بالجنزير! — مصطفى صرخ وهو بيحاول يكسره بكتفه لكن من غير فايدة. الغاز بدأ يخنقنا، وأمي بدأت تكح وتفقد النفس تماماً. تامر ساب أمي وجري مع مصطفى وبدأوا يضــ,,ـــــربوا في الباب بكل قوتهم، والخشب بدأ يتشقق لكن الجنزير كان قوي.

في اللحظة دي، النــ,,ـــــار هبت في المطبخ وخرجت للممر، واللهب بدأ يزحف على الأرض بسرعة رهيبة وبيقرب مننا. بصيت لنهى لقيتها اختفت تاني وسط الدخان الأسود اللي ملى المكان. وسط الكحة والدموع والرعب، افتكرت الممر الضلمة والباب الصغير اللي تحت السلم اللي بيفتح على الجنينة ورا البيت، الباب ده مهجور ومحدش بيفتحه من سنين، وأكيد نهى مفكرتش فيه! زعقت فيهم وسط صوت طقطقة النــ,,ـــــار: — مصطفى! تامر! سيبوا الباب ده.. تعالوا ورايا على باب السلم الوراني!

جرينا كلنا ونفسنا مقطوع والدخان بيعمي عينينا، تامر شايل أمي ومصطفى بيزق فيا عشان أتحرك أسرع. وصلنا للباب القديم، مصطفى ضــ,,ـــــربه برجليه مرتين وتلاتة لحد ما الخشب القديم المأكل اتكسر، وخرجنا كلنا للجنينة الكبيرة وأحنا بننهج وبنترمي على النجيل ونفسنا بيرجع بالهوا النضيف.

لفيت وشي وبصيت للبيت.. البيت كله كان عبارة عن كتلة نــ,,ـــــار حمراء بتاكل في كل ذكرياتنا، وفي الدور التاني، وسط اللهب والدخان، شفت خيال واقف ورا الشباك.. خيال نهى وهي بتبص علينا بنظرة أخيرة، والابتسامة مش مفارقة وشها، كأنها حققت هدفها وقررت تمــ,,ـــــوت مع البيت اللي حــ,,ـــــرق قلب أمها.عدنا في الجنينة وأحنا بنبكي على بيتنا اللي بيضيع قدام عينينا، والبوليس والمطافي أصواتهم بدأت تسمع من بعيد. افتكرنا إن الكابوس انتهى هنا.. لكن لما النــ,,ـــــار انطفت تماماً وتاني يوم الصبح المطافي دخلت تدور وسط الرماد.. كانت الصدمة اللي مكنتش على البال!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم رجال المطافي ورجال المباحث فضلوا يقلبوا في رماد البيت لعدة ساعات، بيدوروا على جــ,,ـــــثه نهى اللي شفتها بعيني واقفة وسط النــ,,ـــــار في الدور التاني. كنا واقفين أنا وتامر ومصطفى وأمي بنرتعش، مستنيين اللحظة اللي هيخرجوا فيها بجثتها متفحمة. لكن الصدمة اللي هزت كياننا وجمدت الدم في عروقنا، لما خرج الضابط المسؤول وبص لنا بنظرة غريبة وقال: — احنا فتشنا كل شبر في البيت المحروق، تحت الأنقاض وفوق السطوح وفي كل الأوض.. مفيش أي أثر لجــ,,ـــــثه بشرية جوة! البيت فاضي تماماً من أي جثث!

أنا صرخت بذهول: — إزاي يا فندم؟ أنا شفتها بعيني واقفة ورا الشباك والنــ,,ـــــار محاوطاها من كل ناحية! الضابط هز راسه وقال: — الشباك اللي بتتكلمي عنه مفيش تحته غير رماد الخشب، ولو كان فيه جــ,,ـــــثه كانت هتسيب أثر أو عظام.. الست دي فص ملح وداب، ويمكن تكون هربت من شباك منور تاني قبل ما النــ,,ـــــار تقفل المكان بالكامل.. البلاغ هيفضل مفتوح، والبحث عنها مستمر كهاربة من العدالة ومطلوبة بمحاولة ق*تل.

في اللحظة دي، بصيت لأمي لقيتها منهارة وبتعيط، وتامر أخويا قعد على الرصيف وحط راسه بين إيديه وهو مش قادر يستوعب إن الست اللي حبها وأتمنها على اسمه كانت مجرد شبح جاي يهد حياتنا ويهرب في الضلمة. نهى مشيت.. سابتنا عايشين، بس سابت ورّاها بيت مهدوم وعيلة مكسورة، وخوف هيعيش جوانا طول العمر؛ لأننا كل ما الليل يليل، بنبص حوالينا وبنسأل نفسنا: هل هترجع تاني؟ هل لسه بتراقبنا من بعيد ومستنية اللحظة اللي تظهر فيها بالمخدة والشال الصوف؟

### الحكمة من الحكاية البيت اللي اتهد فوق رؤوسنا مكنش مجرد حيطان وطوب، كان درس قاسي دفعنا تمنه غالي قوي من راحتنا وأمننا. والحكمة اللي خرجت بيها من الكابوس ده وبقت محفورة في قلبي هي:

* **الظلــ,,ـــــم دين لا يمــ,,ـــــوت:** أبويا الله يرحمه افتكر إن السنين دارت والناس نسيت الراجل الغلبان اللي طرده من أرضه وقهر مراته، بس الحقيقة إن المظلــ,,ـــــمة فضلت عايشة وتكبر في قلب بنته لحد ما رجعت وحــ,,ـــــرقت الأخضر واليابس. حق الناس مش بيمــ,,ـــــوت بمــ,,ـــــوت أصحابه، والظلــ,,ـــــم دايماً بيلف ويرجع لصاحبه أو لعياله ولو بعد حين.* **المظاهر دايماً خداعة:** نهى دخلت بيتنا في صورة القطة المغمضة، الست المؤدبة اللي صوتها واطي وبتستأذن قبل ما تقعد، والكل اتمنا رضاها، وفي الآخر كانت هي اليد اللي ولعت النــ,,ـــــار في بيتنا. أوقات كتير الوشوش الهادية والبريئة بتداري وراها براكين من الغل والانتقام..

متثقش في حد ثقة عمياء لمجرد إن ملامحه هادية. * **البيوت المتبنية على باطل.. باطلة:** البيت اللي يدخل فيه دعاء مظلوم وقهر إنسان، بيفقد بركته وأمانه. طهروا بيوتكم وحياتكم من أموال وحقوق الناس، عشان تعيشوا في أمان، لأن جمر الغضب المدفون تحت الأرض.. مسيره في يوم يخرج ويحــ,,ـــــرق كل حاجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى