تسارعت دقات قلبي، ونظرت إلى طارق بذعر. تعالت الطرقات على الباب من جديد، وكانت أعنف هذه المرة، وكأن من يقف بالخارج لا يريد مجرد الدخول، بل يريد اقتلاع الباب ومن فيه. أشار لي طارق بيده أن أهدأ، وقال بصوت منخفض حازم: *”هند، ادخلي جوه عند الأولاد، ومش عايزك تخرجي مهما حصل بره. أنا اللي هقابلهم”* أومأت برأسي ممتثلة لطلبه، ودخلت مسرعة إلى غرفة الصغار. نظرت إلى “عمر” و”ندى” و”ياسين” المستغرقين في نوم ملائكي لا يدرون شيئاً عن العواصف التي تدور حولهم، وجلست بجانبهم أستمع إلى ما يحدث في الصالة وقلبي يكاد يقفز من صدري.
سمعت صوت فتح الباب، ثم اندفاع خطوات ثقيلة وصياح غاضب. كان هذا صوت “محمود”، شقيق طارق الأكبر، يصرخ بنبرة مليئة بالاستنكار: *”أنت اتجننت يا طارق؟ اللي سمعناه من حماتك ده حقيقي؟ لحقت؟ هالة ملحقتش تكمل سنة في تربتها، تروح تتجوز أختها؟! هي دي الأمانة؟”* وجاء صوت عم أولاد هالة، “الحاج رأفت”، يكمل بغلظة: *”إحنا جينا ناخد ولاد أخونا يا طارق.. مش هنسيب لحمنا يتربى في بيت دخلته واحدة مكان أختها بالسرعة دي. الناس بتاكل وشنا بره، وبيقولوا إنكم كنتم على علاقة من زمان! إحنا مش هنشيل العار ده”*
رد طارق بصوت جهوري وثابت، حاول فيه تملك أعصابه قدر الإمكان: *”يا جماعة صلوات النبي في قلبكم واسمعوني.. مفيش عار ومفيش خـ,ـيانة. أنا اتجوزت هند عشان هي أحن واحدة على ولاد أختها، وعشان طليقها كان جاي ياخد ابنها ويحرمها منه. الجواز ده حمى ياسين، وهيحمي ولاد هالة من إنهم يتربوا مع واحدة غريبة لو أنا اتجوزت بره العيلة!”* زعق محمود مقاطعاً:
*”متحوراش يا طارق! حماية إيه وكلام فارغ إيه؟ أنت كسرت الأصول، وخليت سيرتنا على كل لسان. حماتك نفسها مكسورة ومش قادرة تبص في وش حد! الجوازة دي مش هتم، ولو مأطلقتش هند دلوقتي، ولاد هالة مش هيقعدوا معاك ثانية واحدة، وهنرفع عليك ق*ضية ضم حضانة لأم هالة أو لينا إحنا”* أمام تهديد طارق بأولاده، شعرت أنني لا يمكنني الاختباء أكثر من ذلك. لم أعد تلك المرأة المستسلمة التي ترتعد خوفاً. فتحت باب الغرفة وخرجت بخطوات ثابتة إلى الصالة.
وقفت أمامهم، ونظرات الذهول والاشمئزاز تصوب نحوي من محمود والحاج رأفت. نظرت إليهم وقلت بنبرة قوية واضحة: *”أنا مخدتش مكان أختي.. ولا عمري هكون مكانها. أنا هنا خالة لولادها، وأم لياسين. لو كنتم خايفين على كلام الناس، فالناس بتتكلم في كل الأحوال. طارق محتاج اللي يشيل معاه الحمل، والأولاد محتاجين أم.. وأنا أولى بيهم من أي غريبة. مش هسمح لكم تهدوا البيت ده”* بصق الحاج رأفت على الأرض بغضب وقال: *”أنتِ بالذات تسكتي خالص! حسابك مع أهلك.. وإحنا كلامنا مع الراجل”*
ثم التفت إلى طارق وقال قاطعاً: *”قدامك 24 ساعة يا طارق.. يا تطلقها وترجع لوعيك، يا إما بكره الصبح المحامي بتاعنا هيتحرك، وهتشوف ولادك دول في قاعة المحكمة.. اختار يا ابن أبويا، يا مرأتك الجديدة.. يا ولاد هالة”* خرجوا وصوت إغلاق الباب خلفهم ترك خلفه صمتاً مرعباً. التفتُّ إلى طارق، وجدته قد انهار على المقعد، ووضع رأسه بين يديه يتنفس بتسارع. اقتربت منه ودموعي تنهمر: *”طارق.. أنا السبب. أنا اللي بوظت حياتك وحياة ولادك”* رفع رأسه ونظر إليّ بعيون حمراء متعبة، لكنها مليئة بحب حزين:
*”أنتِ ملقيش ذنب يا هند.. أنا اللي مش هتحمل يخطفوا ولادي مني. هالة أمانتها في رقبتي”* في تلك اللحظة، رن هاتف طارق برقم غريب. مسح وجهه وأجاب بنبرة مجهدة: *”ألو؟”* لكن ملامحه تغيرت فجأة، وتحولت من التعب إلى الرعب الخالص. وقف فجأة وهو يصرخ في الهاتف: *”أنت بتقول إيه؟! فين؟ إزاي ده حصل؟!”* سقط الهاتف من يد طارق على السجادة، ونظر إليّ بوجه شاحب كالمـ,ـوتى، وقال بصوت يرتجف كلياً: *”أحمد.. طليقك.. راح المدرسة وأخد ياسين بالقوة، ومحدش عارف مكانهم دلوقتي!”*
*حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو صفحه وقعت الكلمات على مسامعي كقذيفة مدمرة نسفت ما تبقى من ثباتي. شعرت بروحي تُسحب مني، وأظلمت الدنيا في عيني لثوانٍ تمنيت فيها أن الأرض تنشق وتبتلعني قبل أن أسمع هذه الفاجعة. “ياسين!”.. ابني، قطعة من قلبي، والحصن الذي دمرت حياتي وضحيت بكل شيء لأجل بقائه في حضني، أصبح الآن في يد جلادي. صرخت بهستيريا وأنا أهز طارق من كتفيه: “أنت بتقول إيه؟! ياسين فين؟ أحمد خده إزاي؟! المدرسة سابوه إزاي؟! طارق اتصرف.. ابني هيضيع مني!”
التقط طارق الهاتف بسرعة وهو يحاول التماسك رغم الرعب البادي في عينيه، وبدأ يجري اتصالات سريعة بمديرة المدرسة وببعض معارفه في الشرطة. تبين أن أحمد استغل وجود ثغرة قانونية، وبصفتة الأب، وبمساعدة ولاية تعليمية كان قد استصدرها في خضم المشاكل القديمة ولم تلغَ، استطاع أخذ الولد بحجة أنه سينقله إلى مدرسة أخرى، وسط ذهول إدارة المدرسة التي لم تستطع منعه قانوناً. لم أنتظر ثانية واحدة؛ جرت نحو الباب كالمجنونة، وطارق يحاول الإمساك بي: “هند.. استني! رايحة فين في الحالة دي؟ مش هتعرفي تعملي حاجة لوحدك، أحمد قفل تلفونه وتلفون محاميه، ومش في بيته القديم!”
صرخت في وجهه بدموع حا.رقة:
