منوعات

انا مطلقة رومانى مكرم 3

“مش هقعد هنا وأنا ابني مخطوف! هروح له بيته، هروح لأهله، هقلب الدنيا لغاية ما ألاقيه! لو حصل لياسين حاجة أنا همـ,ـوت نفسي يا طارق!” ركبنا السيارة وانطلق طارق بأقصى سرعة نحو شقة أحمد القديمة، وطوال الطريق كنت ألتفت يميناً ويساراً في الشوارع وكأنني سألمح ابني في زحام السيارات. وصلنا إلى البناية، وصعدت السلالم ركضاً، وظللت أطرق باب شقته بعنف أحدث ضجة في المبنى كله، لكن دون جدوى.. الشقة كانت خاوية تماماً، والجيران أكدوا أنه لم يأتِ إلى هنا منذ أيام.

انهارت قواي تماماً، وارتميت على الأرض أمام باب الشقة المغلق، أجهش بالبكاء وأنا أردد اسم ابني بحرقة غسلت وجهي بالدموع. اقترب مني طارق، وجلس بجانبي على ركبتيه، ولف ذراعيه حولي محاولاً مواساتي وصوته يرتجف: “وعد مني يا هند.. وحياة هالة في تربتها، وحياة ولادي، ما هسيب أحمد ياخد ياسين، هجيبهولك لو كان في بطن الأرض.. بس قومي معايا دلوقتي لازم نتحرك بشكل قانوني وبسرعة قبل ما يهرب بيه بره المحافظة.” في تلك اللحظة، رن هاتفي برقم غير مسجل. خطفته بسرعة وصحت بلهفة: “ياسين؟!”

لكن الصوت الذي جاءني كان صوت أمي.. كان صوتها مليئاً بالندم والكسرة، وهي تبكي بنشيج مسموع: “هند.. سامحيني يا بنتي.. أنا السبب.. أنا اللي دللت أحمد على مكان مدرسة ياسين الصبح عشان ألاوي ذراعك وتطلقي طارق، مكنتش أعرف إنه بالندالة دي وهيحرمك منه ويخطفه.. أنا بمـ,ـوت يا هند، أحمد كلمني دلوقتي وقال لي إنه هياخد ياسين ويسافر بيه بره البلد ومحدش هيشوفه تاني لو طارق مطلّقكيش وحق أختك رجع!”

سقطت الهاتف من يدي للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم يكن الرعب هو ما يتملكني، بل تحول الخوف إلى طاقة غضب واندفاع لا حدود لهما. نظرت إلى طارق وعيناي تلمعان بنظرة حاسمة وقـ,ـاتلة، وقلت بصوت جاف خاوٍ من أي مشاعر: “أحمد مش عايز الحضانة يا طارق.. أحمد بيساومنا بدم ابني.. عايز يكسرك ويكسرني، وعايز جنازة أختي هالة تفضل ممدودة بيننا.. مفيش وقت للمحاكم ولا للشرطة.. إحنا لازم نوصل له قبل ما يوصل للمطار، وأنا عرفت هو مستخبي فين!”

وقفت بقوة، واندفعت نحو السلالم، بينما كان طارق يتبعني بذهول وقلق وهو يرى في عيني تحولاً مرعباً لامرأة مستعدة لحرق الأخضر واليابس لإنقاذ طفلها. اندفعتُ نحو السيارة والشرر يتطاير من عيني، وطارق خلفي لا يكاد يلاحق خطواتي. ركبتُ وقلت له بصوت حازم كالرصاص: *”على المزرعة القديمة بتاعة أبوه في طريق بلبيس.. أحمد ملوش مكان تاني يستخبى فيه ومحدش يعرفه غيري، كان دايماً بيقول لي إن المكان ده أمانه لما الدنيا تضيق بيه”*.

انطلق طارق بالسيارة بسرعة جنونية، يلتهم الطريق الصحراوي التهاماً. كانت دقات ساعتي تبدو وكأنها تعد أنفاسي الأخيرة، وصوت أخي الصغير “ياسين” يتردد في أذني مستغيثاً. طوال الطريق، كان طارق يضغط على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضّت مفاصله، ونظر إليّ قائلاً: *”هند.. مهما حصل جوه، أنا معاكي.. مش هسيب ابننا يضيع”*. لم تكن كلمة “ابننا” عابرة؛ شعرتُ في تلك اللحظة أن الأقدار ربطت مصائرنا جميعاً برباط لا يمكن الفكاك منه.

بعد ساعة من التوتر القـ,ـاتل، لاحت من بعيد أسوار المزرعة المهجورة. أطفأ طارق مصابيح السيارة واقتربنا بهدوء. ترجلنا وتسللنا عبر البوابة الحديدية شبه المفتوحة، حتى وصلنا إلى مبنى صغير ينبعث منه ضوء خافت. ومن خلف النافذة المكسورة، رأيت المشهد الذي مزق نياط قلبي: ياسين يجلس على مقعد خشبي يبكي بصمت مروع، وأحمد يقف أمامه ممسكاً بهاتفه، يصرخ بغضب في محاميه مستعجلاً أوراق السفر. لم أتمالك نفسي، دفعتُ الباب بكل ما أوتيت من قوة واقتحمتُ الغرفة صارخة: *”ياسـيـن!”*.

ارتمى ابني في أحضاني وهو يصرخ: *”ماما! كنت عارف إنك هتيجي!”*. احتضنته بقوة وكأنني أحاول إدخاله بين ضلوعي. انتفض أحمد بذعر، وتراجع للخلف يصيح: *”أنتِ جيتي هنا إزاي؟! وازاي تجرؤوا تدخلوا عليا كدة؟”*. في تلك اللحظة، تقدم طارق بخطوات ثابتة ووقف حائلاً بيني وبين أحمد، ونظر إليه بعينين تشتعلان غضباً وقال بصوت منخفض مرعب: *”اللعبة انتهت يا أحمد.. سلم الولد بالذوق، واحمد ربنا إني مبلّغتش الشرطة بتهمة خطف لغاية دلوقتي”*. ضحك أحمد بهستيرية وأخرج من جيبه سـ,ـكيناً صغيراً، وصرخ وعلامات الجنون تكسو وجهه:

*”مش هتمشوا بالولد! أنت خدت كل حاجة يا طارق.. خدت مراتي القديمة، وعايز تاخد برستيجي قدام الناس؟ الجوازة دي لازم تتهد! يا تطلقها حالا وتمضي على إقرار بإن العقد تزوير، يا إما هخلص عليكم كلكم هنا ومحدش هيعرف لكم طريق!”*. كان المشهد على حافة الهاوية. لكن فجأة، وبحركة سريعة ومباغتة، هجم طارق على أحمد ليجرده من الس*لاح. دارت بينهما معركة عنيفة، سقطت فيها الطاولة وتحطم المقعد الخشبي. كنت أضم ياسين إلى صدري وأبكي برعب، حتى تمكن طارق بقوته وجسده الرياضي من تثبيت أحمد أرضاً وشل حركته تماماً، وألقى بالسـ,ـكين بعيداً.

وفي نفس اللحظة، اقتحـ,ـمت المكان قوات الشرطة ومعهم شقيق طارق “محمود” وأمي! تبين أن طارق، بذكائه، كان قد أرسل إحداثيات الموقع لأخيه محمود أثناء الطريق ليبلغ الشرطة فوراً. اندفعت أمي نحوي وهي تبكي بحرقة، وارتمت على قدميّ تطلب السماح: *”سامحيني يا بنتي.. بغبائي وخوفي من كلام الناس كنت هضيع ضناكي.. سامحيني!”*. نظرتُ إليها، ورغم كل الوجع، احتـ,ـضنتها.. فالأم تظل أماً مهما أخطأت. تم القبض على أحمد بتهمة الخطف والتهديد بالس*لاح، وانتهى كابوسه إلى الأبد بعد أن وقّع في النيابة على تنازل نهائي ودائم عن الحضانة مقابل إسقاط بعض التهم الجنائية عنه.

### ## بعد مرور عام.. نجلس جميعاً في حديقة المنزل. “ياسين” يلعب بالكرة مع “عمر”، و”ندى” الصغيرة تجلس في حجري وأنا أصفف لها شعرها. طارق يجلس بجانبي، يتأمل الأطفال بابتسامة هادئة غابت عن وجهه لسنوات. وأمي تجلس في المواجهة، تدعو لنا بالبركة والستر، بعد أن استوعبت العائلة كلها أن البيوت لا تُبنى بآراء الناس، بل بالرحمة والأمان. التفتُّ إلى طارق وقلت له بهمس: *”تفتكر هالة زعلانة مننا؟”*.

أمسك يدي بحنو وقال: *”لأ يا هند.. هالة في مكان أحسن، وأكيد مرتاحة وهي شايفاكي بتصوني سرها، وبتحمي ولادها اللي هما ولادك.. إحنا مخلقناش الظروف يا هند، بس الظروف هي اللي اختارتنا نكون لبعض عشان نرمم اللي انكسر”*. ### ### الحكمة من القصة:

> **إن البيوت والقلوب لا تُقاس بنظرة المجتمع وصخب الألسنة، بل تقاس بمقدار الأمان والرحمة التي ننشدها تحت سقفها. في كثير من الأحيان، يضعنا القدر فى اختبارات قاسية تبدو في ظاهرها خطأً أو خروجاً عن المألوف، لكنها في باطنها تكون طوق النجاة الوحيد لأرواح أضناها الفقد والانكـ,ـسار. التضحية الحقيقية ليست في الاستسلام لكلام الناس، بل في الشجاعة لحماية من نحب، وإعادة بناء الحياة من وسط الركام.. فالأصل في العلاقات الإنسانية هو صون الأمانة، وليس إرضاء البشر.**

> حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى