ملامحه كانت صدمة بالنسبة لي. في ظرف أسبوعين بس، الراجل خس النص. وشه كان أصفر، وعينيه كان تحتيها هالات سودا كأنه منامش من أيام. مكنش معاه رشا.. ومكنتش معاه أمه. كان معاه محامي باين عليه التوتر.
مدحت قعد يلف بعينيه في القاعة لحد ما عينه جت في عيني.
بصلي بنظرة مليانة غل، وعتاب، وخوف.. نظرة بني آدم بيغرق وبيشوف الشخص اللي بيغرق بسببه. أنا من ورا النظارة الشمسية، ملمحتش في وشي أي تعبير. برود تام.
حاجب المحكمة نادى:
— “القضية رقم 452 لسنة 2026.. ليلى أحمد ضد مدحت مرسي.. إنكار نسب!”
وقفنا إحنا الاتنين وقدام القاضي.
القاضي كان راجل وقور، بص في الأوراق وبعدين بص لمدحت:
— “المدعية بتقدم تقارير طبية تفيد بإنك عندك عقم دائم وملوش علاج من تلات سنين، وبتطالب بإنكار نسب الطفل يوسف اللي سجلته باسمك من أسبوعين. محامي المدعى عليه.. إيه ردك؟”
محامي مدحت وقف وقال بصوت مهزوز:
— “يا سيادة القاضي، المدعية بتتبلى على موكلي بدافع الانتقام لأنه اتجوز عليها وطردها. والتقارير دي قديمة، وممك يكون حصل طفرة طبية أو علاج موكلي أخدة ومقاش عنه..”
الأستاذ فريد قاطعه بكل هدوء وقوة قانونية:
— “يا سيادة القاضي.. العلم مفيش فيه طفرات كدابة.
التقرير الصادر من أكبر مستشفى عسكري ومعتمد من وزارة الصحة بيقول ‘ضمور كامل وغير قابل للشفاء’. وإحنا بنطالب بأقصر طريق للحق.. إحالة الأطراف كلها للطب الشرعي لعمل تحليل DNA. لو الواد ابنه.. إحنا مستعدين نتحمل كافة التعويضات القضائية والجنائية بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير. ولو مش ابنه.. يبقى الحق ظهر.”
القاضي بص لمدحت اللي كان واقف عرقان وجسمه بيترعش. القاضي سأله مباشرة:
— “أنت معترض على عمل تحليل الـ DNA يا باشمهندس؟”
مدحت بلع ريقه بصعوبة. لو قال معترض.. المحكمة هتعبر الاعتراض ده قرينة إدانة وتثبت إنكار النسب تلقائياً. ولو قال موافق..
هيروح برجله للمقصلة اللي رشا نصبتها له وهو مش داري.
المحامي بتاعه همس له في ودنه بسرعة، فمدحت بص للقاضي وقال بصوت متحشرج:
— “مش معترض يا فندم.. بس أنا متأكد إن ابني.”
القاضي هز رأسه وكتب في المحضر:
“قررت المحكمة إحالة المدعى عليه مدحت مرسي، والمدعوة رشا عبد الحميد، والطفل يوسف، إلى مصلحة الطب الشرعي بمصلحة السيدة زينب، لإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA)، وتحديد جلسة بعد شهر من الآن لورود التقرير.”
العاصفة تبدأ في شقة مدحت
خرجنا من القاعة. مدحت مشي ورايا بسرعة في الطرقة وبدأ ينادي عليا بصوت عالي:
— “ليلى!
ليلى اقفي هنا كلميني!”
الأستاذ فريد وقف قدامه: “لو سمحت يا باشمهندس، مفيش كلام بينك وبين موكلتي. الكلام في المحكمة وبس.”
مدحت زق إيد فريد بالراحة وبصلي وعينيه مدمعة من الغيظ:
— “أنتي بتعملي فيا كده ليه؟ أنا أذيتك في إيه؟ عشان اتجوزت وعيشت حياتي؟ عشان ربنا كرمني بالخلفة اللي حرمتيني منها؟ أنتي عايزة تفضحي عيل ملوش ذنب قدام الناس وتخليه ابن زنا بالكدب؟”
رفعت النظارة الشمسية وبصيت له في وشه من مسافة قريبة جداً.
— “أنا متبلتش عليك يا مدحت. التقارير اللي في المحكمة دي حقيقية وأنت عارف كويس إنها حقيقية.
أنت اللي كنت بتعيط تحت رجلي في العربية عشان مخليش شكلك وحش قدام أهلك وأصحابك. أنا حميتك سبع سنين، شيلت فيها الطين والإهانات وسمعت طوب الأرض بيعيرني بالعقم وأنا ساكتة عشان خاطرك. وأنت أول ما لقت فرصة، رميتني زي الكلبة برة بيتي وجايب لي واحدة تذلني بيها.”
قربت من ودنه وهمست:
— “روح اعمل التحليل يا مدحت. روح وشوف الست الشريفة العفيفة اللي أنت جايبها تقعد مكاني.. شوف الواد ده ابن مين. الشك هيمـ,ـوتك قبل ما نتيجة الطب الشرعي تطلع اصلاً. أنت من النهاردة مش هتذوق النوم.”
سبته واقف في الطرقة زي الصنم ومشيت.
مدحت رجع بيته..
بس الشقة مكنتش هي الشقة اللي سابها الصبح. بمجرد ما دخل، الشك كان خلاص عشش في دماغه وبقى زي الدود اللي بياكل في عقله.
بص لرشا وهي قاعدة بترضع الواد. بص لملامح الواد الصغير.. وبدأ يفتكر شكل “كريم رأفت” أو شكل أي حد ثاني. بدأ يفتكر كلامي في المول.. وكلامي في المحكمة.
— “مدحت؟” رشا سألته بخوف وهي شايفاه واقف بيبص لها بنظرات غريبة. “عملتوا إيه في المحكمة؟ المحامي قال إيه؟”
مدحت قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وقال بصوت طالع من قاع جحيم:
— “المحكمة حكمت بتحويلنا كلنا للطب الشرعي.. هنعمل تحليل DNA يا رشا.”
متوفرة على روايات و اقتباسات
رشا أول ما سمعت الكلمة دي.. وشها اتقلب مية لون. الرضعة وقفت في إيدها، وعينيها بدأت تروح وتيجي في الأوضة وكأنها بتدور على مخرج طوارئ.
— “تحليل إيه؟” قالت بصوت شاحب ورعشة واضحة، “أنت هتسمع كلام الست دي؟ أنت هتشك فيا وفي شرفي يا مدحت؟ أنا مش هروح محاكم ومش هعمل تحاليل! دي إهانة ليا ولابني!”
مدحت رفع راسه، ولأول مرة يشوف الخوف الحقيقي في عينيها. الخوف اللي أكد له إن ليلى مكنتش بتتبلى عليه.. الخوف اللي عرفه إنه لبس أكبر مقلب في حياته.
وقف وقرب منها وعينيه بقت حمرا زي الدم:
— “مش هتروحي ليه يا رشا؟ لو الواد ابني خايفة من إيه؟ ها؟ خايفة من إيه؟!”
الخناقة بدأت.. والصوت بدأ يعلى.. والبيت اللي اتبنى على الكدب والظلم بدأ يتهد فوق دماغهم حتة حتة.
لكن دي مكنتش النهاية.. دي كانت مجرد شرارة البداية في حريقة كبيرة هتاكل الأخضر واليابس، ومفاجآت تانية خالص لسه مظهرتش في التحاليل!
حكايات مني السيد
