مدحت اتلخبط من ردي:
— “بتشكريني على إيه؟”
— “بشكرك لأنك أثبت لي إن ربنا عادل قوي. وبشكرك لأنك أخدت القرار اللي أنا مكنتش قادرة أخدته بسبب طيبة قلبي. سيبك تشتري السرير.. السرير ده شكله مريح قوي.. هينفعكم في الأيام اللي جاية.. لأن النوم بعد كده هيبقى عزيز قوي يا مدحت.”
لفيت ضهري ومشيت من غير ما أسمع رده. سمر مشيت جنبي وهي بتكتم ضحكتها بالعافية.
أول ما خرجنا من المحل، بصيت ورايا من برة الإزاز الشفاف.
شفت رشا وهي بتكلم مدحت بنرفزة وشكلها متوترة جداً، ومدحت بيحاول يهديها ويطبطب عليها وهو باصص في الاتجاه اللي أنا مشيت فيه، وشه مكنش فيه الارتياح اللي كان فيه من خمس دقائق.. كان فيه بذور “شك” خفيفة أنا رميتها بذكاء وسيبتها تكبر في عقله.
اللغز يبدأ في الظهور: من هو الأب الحقيقي؟
بعد المقابلة دي بأسبوع، سمر جات لي الأوضة بليل وهي ماسكة اللاب توب بتاعها. سمر خريجة هندسة حاسبات، وبتفهم في الـ OSINT والتدوير ورا الحسابات على السوشيال ميديا زي قضايا المخابرات.
— “ليلى.. تعالي شوفي أنا لقيت إيه.”
قعدت جنبها على السرير: “لقيتي إيه؟”
— “أنا قعدت أنبش ورا حسابات رشا دي على الفيسبوك والإنستجرام من يوم ما عرفت اسمها. البت دي كانت قافلة حساباتها، بس أنا قدرت أدخل وأشوف الـ Archives والبوستات القديمة والـ Friends list بتوعها قبل ما تعمل لمدحت ‘أدد’.”
سمر فتحت صورة على الشاشة.. صورة لرشا من حوالي سنة، كانت قاعدة في كافيه في المعادي، ومعاها شاب وسيم، شعره طويل شوية، ولابس لبس كاجوال. كانوا قاعدين قريبة من بعض قوي والضحكة من الودن للودن.
— “مين ده؟” سألتها.
— “ده يا ستي اسمه ‘كريم رأفت’. كريم ده كان زميل رشا في المعهد اللي كانت بتدرس فيه.
ومن تدوير بسيط في الكومنتات القديمة اللي اتمسحت، كريم ورشا كانوا قصة حب عنيفة بقالها سنتين. والبوستات قطعت بينهم من حوالي سبع شهور بالظبط.. يعني قبل ما مدحت يعلن خطوبته وجوازه السريع منها بشهر واحد!”
بصيت للصورة وركزت في ملامح كريم.
— “يعني رشا كانت مع كريم ده لحد ما حبلت.. ولما عرفت إنها حامل، وكريم طبعاً شاب صايع مش بتاع جواز ومعهوش مليم، لقت قدامها ‘الصيد السهل’.. مدحت مرسي. الراجل الغني، اللي عنده شقة تمليك وعربية، واللي هيمـ,ـوت على حتة عيل ومستعد يصدق أي ست تقوله ‘أنت الأب’!”
سمر صقفت بإيدها:
— “عليكِ نور!
رشا لقت مدحت بيدور على أي قشة تثبت رجولته، فدخلت عليه بدخلة الست الشريفة اللي هتحقق له حلمه. ومدحت من غبائه وكبريائه العمي، متكلمش ومفكرش. لبس الليلة وهو فرحان!”
— “يا نهار ألوان..” همست وأنا بضحك بذهول، “يعني مدحت مش بس مغفل.. ده مغفل دولي مع مرتبة الشرف! البت شربته الواد، وهو طردني أنا عشان يقعد ابن كريم رأفت في بيتي ويصرف عليه من شقا عمره!”
— “طب إحنا مش هنستخدم المعلومات دي؟” سمر سألت بحماس.
— “لأ.. سيبيهم. كريم ده خليه كارت إضافي للمحكمة لو عوزناه. اللعبة دلوقتي ماشية زي الساعة.
رشا قربت تولد، وأنا مستنية اليوم اللي مدحت هيدخل فيه مكتب الصحة وهو شايل شهادة الميلاد الإليكترونية.”
يوم الولادة.. والهدوء الذي يسبق العاصفة
مر الشهر الثالث.. وجاء الموعد.
عرفت من واحدة صاحبتنا مشتركة بيني وبين أخت مدحت، إن رشا دخلت مستشفى استثماري كبير في مصر الجديدة عشان تولد. الولادة كانت قيصرية، والست ميرفت كانت قالبه المستشفى زغاريط، ومدحت كان بيوزع شيكولاتة مغلفة بماء الذهب على الممرضات والدكاترة.
الولد اتولد. وسموه “يوسف”.
يوسف مدحت مرسي.
في اليوم ده، أنا كنت قاعدة في بلكونة بيتنا، بشرب القهوة بتاعتي وببص للسماء. مكنتش حاسة بأي حزن..
كنت حاسة إن الستارة بتترفع عن الفصل الأخير من المسرحية.
تاني يوم الصبح، الأستاذ فريد كلمني في التليفون:
— “جاهزة يا ليلى؟”
— “جاهزة يا أستاذ فريد. مدحت سجل الولد؟”
— “سجله النهاردة الساعة عشرة الصبح في مكتب صحة النزهة. معايا صورة من الإخطار والتبليغ الإلكتروني. الواد بقى رسمياً على السيستم ‘يوسف مدحت مرسي’.”
أخذت نفس عميق وقولت:
— “توكلنا على الله يا أستاذ فريد. ارفع القضية.”
— “بكرا الصبح دعوى إنكار النسب هتتقيد في المحكمة، وإعلان القضية هيروح لمدحت على شقته.. شقتك القديمة.. في ظرف 48 ساعة.”
الإعلان يصل..
وبداية الانهيار
تخيلت المنظر..
مدحت قاعد في الصالة، شال يوسف الصغير في حضنه، ورشا قاعدة جنبه بقميص النوم الستان بتاع الوالدات، والست ميرفت بتعمل المغات في المطبخ والريحة قالبه الشقة. وفجأة.. جرس الباب يرن.
مدحت يفتح الباب، يلاقي محضر من المحكمة.
— “المهندس مدحت مرسي؟”
— “أيوا أنا.”
— “اتفضل أمضي هنا.. إعلان بدعوى إنكار نسب مرفوعة من السيدة ليلى أحمد عبد الرحمن.”
مدحت هيقرا الورقة.. وعينه هتطلع من مكانها. الكلمات هتنزل عليه زي مية نار:
“تطالب المدعية بإحالة المدعى عليه والطفل يوسف لمصلحة الطب الشرعي لإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA) لإثبات عدم نسب الطفل للمدعى عليه، بناءً على التقارير الطبية التي تفيد بعقم المدعى عليه المطلق…”
السيناريو ده مكنش مجرد تخيل.. ده اللي حصل بالحرف. لأن بعد يومين بالظبط، بالليل، لقيت تليفوني الجديد بيرن برقم مدحت القديم.
طبعاً هو جاب الرقم من أختي أو من أي حد. سيبت التليفون يرن مرة.. واتنين.. وتلاتة. م رديتش.
بعدها بعت رسالة على الواتساب.. الرسالة كانت مكتوبة بإيد تترعش، مفيهاش البرود ولا الكبرياء بتاع زمان:
“ليلى.. ردي عليا فوراً. إيه القذارة اللي أنتي رافعاها دي؟
أنتي اتجننتي؟ أنتي عايزة تفضحيني وتتبلي على ابني وعرضي عشان تنتقمي مني؟ ردي عليا وإلا هوديكي في داهية!”
شفت الرسالة.. وم رديتش برضه. عملت له “بلوك”.
اللعنة بدأت تشتغل في دماغه. هو دلوقتي مش بس خايف من الفضيحة.. هو بدأ يبص للطفل اللي في السرير.. وبدأ يبص لرشا اللي قاعدة جنبه. الشك اللي أنا زرعته فيه في المول من شهرين، مع ورقة المحكمة والتقارير الطبية القاطعة اللي عارف إنها حقيقية وميقدرش ينكرها قدام نفسه.. كل ده بدأ يعمل ثقب أسود في عقله.
في روقان المحكمة.. الجلسة الأولى
جاء موعد الجلسة الأولى في محكمة أسرة مصر الجديدة.
رحت وأنا لابسة بدلة رسمية سودا، شيك جداً، وحاطة نظارة شمسية. معايا الأستاذ فريد الشناوي اللي كان شايل ملف المحاضر والمستندات وكأنه شايل قنبلة موقوتة.
دخلنا قاعة المحكمة. القاعة كانت زحمة، ناس وقضايا ومحامين. قعدت في الصفوف الخلفية ومستنية.
بعد شوية، الباب اتفتح ودخل مدحت.
