منوعات

اختى وجوزى ابو الدهب

جنا من البيت، وريحة الهواء في الشارع كانت أحلى ريحة شمتها في حياتي. ياسين ركب العربية وفتح لي الباب، ومن غير ما يقول كلمة، ساق بهدوء وطلعنا بعيد عن المنطقة دي كلها. بعد نص ساعة، وقف العربية قدام مطعم صغير كنا دايماً بنقعد فيه في بداية أيامنا، مطعم بعيد عن صخب الناس وعيون عيلتي. لما دخلنا، بص لي وقال: “عارف إنك كنتِ شايلة كتير، وعارف إن وجودي في بيت أهلك كان آخر حاجة تتوقعيها.. أنا آسف إني عرضتك للموقف ده.”

هزيت راسي بالنفي: “لا يا ياسين.. الموقف ده كان لازم يحصل. أنا بقالي سنين عايشة في ضل كارما، ومكنتش متخيلة إن هيجي اليوم اللي أقف فيه قدامهم وأقول أنا مين.” في اللحظة دي، تليفوني رن. كانت كارما. بصيت للشاشة بتردد، ياسين مسك إيدي وقال: “دي حياتك، والقرار ليكي، بس خدي بالك إنها متعودة دايماً تاخد اللي هي عايزاه.” فتحت الخط وسمعت صوتها، كان مختلف تماماً عن اللي أعرفه.. مكنش فيه ثقة، كان فيه انكسار ممزوج بغيظ مكتوم:

“نورهان.. إنتي كنتِ عارفة؟ كنتِ عارفة إني راجعة عشانه؟ كنتِ بتمثلي طول السنين دي إنك بعيدة عننا عشان تاخديه مني؟” رديت عليها بصوت ثابت لأول مرة: “يا كارما، أنا مكنتش بتمثل. أنا عشت حياة حقيقية مع راجل شافني أنا، مش شاف نسخة تانية منك. أنا مكنتش أعرف إنك راجعة، ولو كنت أعرف، مكنش هيغير حاجة.. لأني بقالي 6 سنين مش مجرد أخت نورهان، أنا زوجة ياسين.”

سكتت للحظة، وبعدين كملت: “انتي سافرتي وسبتيه من غير كلمة، وكنتي فاكرة إن الدنيا هتفضل مستنياكي في نفس النقطة اللي سبتيها فيها. بس الناس بتمشي، والقلوب بتتغير.. وأنا وياسين بنينا بيتنا على الحقيقة، مش على المظاهر اللي كنتِ بتعيشي فيها.” كارما قفلت الخط في وشي. رميت الموبايل على الطاولة، وحسيت بحمل تقيل نزل من على كتافي. بصيت لياسين اللي كان بيراقبني بابتسامة فخر، وقال: “كنتِ قوية أوي.”

مش بس كسبت ياسين، أنا كسبت نفسي. ولأول مرة، مكنتش مستنية حد يقولي “أنتي جميلة” أو “أنتي مميزة”، لأني أخيراً عرفت إن قيمتي مش في مقارنتي بغيري، قيمتي في الشخص اللي اخترته، واللي اختارني قبل أي حد. **إيه رأيك؟ هل تحبي القصة تنتهي هنا، ولا حابة يكون فيه فصل أخير عن موا عدت أيام، وكنت فاكرة إن كارما هتلم الدور، بس لقيت تليفوني بيضرب “فيديو كول” من بابا. رديت، ولقيت كارما قاعدة جنبه، ووشها عليه نظرة تحدي مش انكسار.

كارما قالت بصوت حاد,,: “بصي يا نورهان، أنا مش هسكت على المهزلة دي. أنا عرفت كل حاجة عن الجوازة اللي تمت في السر، ومحامي العيلة بيقول إن ممكن نطعن في صحة الجواز ده لو أثبتنا إن ياسين مكنش في وعيه أو إنك استغليتي فترة ضعفه بعد ما سافرت.”

ياسين كان قاعد جنبي، سمع كل كلمة، وخد التليفون مني ببرود. بص في الكاميرا وقال: “يا كارما، نصيحة من واحد عرفك أكتر من نفسك.. بلاش تستخدمي المحامين، لأن ملفات شركتك والتحويلات اللي كنتِ بتعمليها من كندا لتمويل مشاريعك المشبوهة بقت في إيدي. لو حابة نلعب اللعبة دي، أنا مستعد، بس النتيجة المرة دي مش هتكون مجرد إحراج قدام العيلة.. هتكون فضيحة تنهي اسمك تماماً.” كارما اتسمرت في مكانها. بابا اللي كان فاكر إنه بيساعد أخته، بص لها بصدمة وقال: “كارما.. إيه الكلام ده؟”

ياسين كمل من غير ما يرمش: “أنا ونورهان مش بس متجوزين، إحنا شركاء في كل حاجة. هي اللي كانت بتدير حساباتي، وهي اللي عرفتني حقيقتك وأنتي بتبعتي رسائل التهديد، وهي اللي وثقت كل ده. نورهان مش ‘الأخت الصغيرة’ اللي بتتحكمي فيها، نورهان هي اللي ماسكة خيوط اللعبة دلوقتي.” بصيت لياسين بإعجاب، مش بس عشان هو جوزي، لكن عشان هو شافني بجد، شاف ذكائي وقدراتي اللي الكل كان بيطمسها طول السنين اللي فاتت. كارما حاولت تضحك باستهزاء: “بتهددني بنورهان؟ نورهان اللي كانت بتعيط عشان كنت بآخد منها ألعابها؟”

قربت من الكاميرا وقلت بصوت هادي وموزون: “يا كارما، نورهان اللي بتعيط دي ماتت من 6 سنين. اللي بتكلمك دلوقتي هي الشخص اللي قرر ينهي عصرك في العيلة دي. لو قربتي من حياتي أو حاولتي تأذي ياسين، كل اللي عرفتيه عن ‘المقارنة’ هيتقلب عليكي.. هخلي الكل يعرف مين هي كارما الحقيقية، مش ‘الملكة’ اللي بتمثلي دورها.” قفلت المكالمة في وشهم، وركنت الموبايل. ياسين باس إيدي وقال: “دي كانت أقوى لحظة شفتك فيها.”

من اليوم ده، البيت كله اتغير. محدش بقا يجرؤ يكلمني كأني “نسخة تانية”. كارما اختفت من المشهد تماماً، سافرت تاني بس المرة دي من غير أي “هيبة” أو “ملكة”. أنا وياسين كملنا حياتنا، مش بس كزوجين، لكن كفريق محدش يقدر يكسره. عرفت أخيراً إن مفيش حد أحسن مني، ومفيش حد يقدر يحدد مكاني غيري أنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى