منوعات

جوزى بيضـ,ـربنى 2

مع دقات الساعة الخامسة صباحاً، تحولت طرقات المستشفى لخلية نحل. المفاجأة اللي طارق مكنش يعمل حسابها، إن بلاغ الكسب غير المشروع والأموال العامة ممرش على القنوات الروتينية الطويلة؛ المستندات كانت من الخطورة والوضوح لدرجة إن أمر التحفظ على طارق العادلي واتخاذ إجراءات منع السفر وتجميد الأرصدة صدر في وقت قياسي بقرار سيادي، وقبل ما الشمس تطلع. كنت ساندة ضهري المكسور على سرير الطوارئ لما الباب اتفتح، ودخل ظابط برتبة عقيد من مباحث الأموال العامة، ومعاه اتنين أمناء شرطة. بص للدكتورة ماجدة، وبعدين وجه نظره ليا وبكل احترام قال:

— سيادة المفتشة ريهام؟ أنا العقيد شريف من مباحث الأموال العامة. البلاغ والمستندات اللي بعتيها اطلعت عليها النيابة فجراً، وبناءً عليه صدر أمر بضبط وإحضار طارق العادلي ووالدته نجوى الشهاوي، وتفتيش مقر الشركة ومقر السكن فوراً. في اللحظة دي، سمعنا بره الأوضة صوت زعيق وهيستريا. كانت الحجة نجوى بتصرخ وهي شايفه اتنين مخبرين بيقربوا منها وبيكلبشوا إيدها. طارق، اللي كان محجوز في الغرفة المجاورة تحت حراسة القسم، طلعوا بيه وهو مكلبش. أول ما عينه جت في عيني من ورا زجاج الباب، ملامحه كانت مرعبة. مكنش فيه خوف، كان فيه غل أعمى. حاول يندفع ناحية أوضتي وهو بيزعق:

— مش هتلحقي تفرحي يا ريهام! وحياة ابني ما هسيبك.. مفاتيح اللعبة كلها لسه في إيدي، والفلوس اللي بتتكلمي عنها دي مأمنة بره مصر في حسابات مش هتعرفي توصلي لها، يعني لو أنا وقعت، إنتي وابنك مش هتلاقوا تاكلوا! هخليكي تشحتي! الظباط شدوه بقوة ونزلوه في السلم الخلفي للمستشفى عشان يتجنبوا الصحافة اللي بدأت تصحى على الخبر، خصوصاً إن اسم “مؤسسة العادلي” اسم تقيل في السوق. الدكتورة ماجدة قفلت الباب وتنهدت: — الراجل ده مش هيستسلم بسهولة يا ريهام، النبرة اللي اتكلم بيها دي نبرة واحد لسه قارس على ورق قوي.

بصيت للعقيد شريف وقلت له بصوت مبحوح بس ثابت: — أنا عارفة هو بيقصد إيه يا فندم. طارق مهرب أكتر من 200 مليون جنيه لشركات واجهة (Offshore companies) في جزر الكايمان وقبرص، والتحويلات دي تمت تحت غطاء صفقات استيراد حديد ومواد بناء وهمية. بس اللي هو ميعرفوش، إن الفلاشة اللي مع السيادة العادلي في خزنتها السرية في البيت، أنا نسخت “السيرفر” الداخلي بتاعها كله. العقيد شريف ابتسم بنباهة وقال: — عشان كده قوة التفتيش الحالية في فيلا الرحاب مش بتدور على ورق عدي، إحنا بعتنا متخصصين تكنولوجيا معلومات يربطوا الأجهزة بالسيرفر اللي إنتي أرشدتي عنه في البلاغ.

عدى يومين وأنا محجوزة في المستشفى تحت حراسة مشددة بناءً على طلب النيابة لحمايتي. في اليوم الثالث، دخلت عليا المحامية بتاعتي، وصديقة عمري “نهى”. وشها كان شاحب ومخطوف. قعدت على طرف السرير ومسكت إيدي وهي بتبلع ريقها بصعوبة: — ريهام.. أنا جيبالك أخبار من النيابة، بس لازم تجمدي. قلبي انقبض: — فيه إيه يا نهى؟ طارق خرج؟ — لأ، طارق وأمه اتحدد إقامتهم على ذمة التحقيق والنيابة جددت حبسهم 15 يوم. بس الصدمة مش هنا.. الصدمة إن طارق، ومن جوه الحجز، قدر يوصل للمحامين بتوعه، ورفعوا عليكي قض*ية “زنا” وتشكيك في نسب ابنك “يوسف”!

وقفت مكانها وبدأت تمشي في الأوضة بتوتر:

— طارق مستغل إنك كنتِ بتقعدي في المستشفى كذا مرة لما كان بيضـ,ـربك، ومطلع تقارير طبية مزورة من مستشفيات تانية ومصحات نفسية بتقول إنك كنتِ بتتعالجي من “اضطراب بارانويا وشكوك هلاوسية”، ومقدم شهادة من بواب العمارة القديمة وسواق عيلتهم بيشهدوا زور إنهم شافوا شخص غريب بيدخل الفيلا في غيابه! هو بيلعب على شرفك عشان يسقط ولايتك على ابنك، ويهز موقفك قدام الرأي العام والقضاء ويحول القض*ية من فساد مالي لـ “انتقام زوجة خاينة”!
*
الدم جمد في عروقي. طارق مكنش بيمـ,ـوت.. طارق كان زي الديب الجريح اللي بيحاول ينهش أي حاجة قدامه قبل ما يقع.

اتهام زي ده في مجتمعنا كفيل يدمر ست تماماً، حتى لو كانت مظلومة. غمضت عيني والوجع النفسي المرة دي فاق وجع الضـ,ـرب بمليون مرة. افتكرت نظرة ابني يوسف وهو عنده 3 سنين، وافتكرت طارق وهو بيقولي: “الناس برضه هتصقف لي”. فتحت عيني وبصيت لنهى، والنظرة دي نهى كانت عارفاها كويس أيام ما كنا في النيابة العامة.. نظرة “المفتشة” اللي شافت ثغرة القـ,ـاتل. ابتسمت وسط دموعي وقلت لنهى بصوت حاد كالس*كين:

— الغبي.. وقع في شر أعماله للمرة التانية. السواق والبواب اللي هيشهدوا زور دول، مرتباتهم وحساباتهم البنكية بتتحول من حساب شركة المقاولات الملغية، يعني شهادتهم مدفوعة الأجر ومطعون فيها فوراً.. أما بخصوص اتهام الزنا ومحاولة إسقاط نسب يوسف.. طارق نسى تماماً التحليل الجيني اللي عملناه ليوسف أول ما اتولد في المستشفى الأمريكي عشان كان عنده مشكلة في الدم، والتقرير ده متوثق ومقفل ببصمة طارق الجينية في السجلات الرسمية اللي ميقدرش يزورها. وقفت على رجلي وضغطت على الجرح بكل قوتي، وقفت قدام مراية الأوضة وشلت اللزق اللي على وشي وقلت:

— اطلبي لي العقيد شريف فوراً يا نهى.. قولي له ريهام جاهزة تنزل بنفسها دار القضاء العالي بكره لتقديم “التقرير الأسود”.. التقرير اللي فيه أسماء الشركاء “المستورين” اللي طارق كان فاكر إنه بيحمي نفسه بيهم.. اللعب بقا على المكشوف، ومحدش هيرحم حد. لم تنم القاهرة في تلك الليلة، ولم أنم أنا أيضًا.

في صباح اليوم التالي، وتحديدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا، كنت أقف على أعتاب دار القضاء العالي. لم أكن أرتدي ملابس المستشفى، بل اخترت بدلي الرسمية السوداء التي كنت أرتديها أيام عملي في النيابة العامة. كان جسدي يئن من الألم، وكدمات رقبتي كنت أداريها بوشاح حريري، لكن وقفتي كانت مستقيمة كالسيف. الصحافة والإعلام كانوا يملأون المكان؛ فق*ضية “إمبراطورية العادلي” تحولت رأساً على عقب بعد شائعات قض*ية الشرف التي حاول طارق ترويجها عبر صفحاته المأجورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

دخلت إلى مكتب المستشار المحقق في نيابة الأموال العامة العليا. كان طارق جالسًا على كرسي المتهمين، وبجانبه ثلاثة من أكبر محاميي مصر. خلفه كانت تجلس أمه، الحجة نجوى، والتي بدت للمرة الأولى بدون مساحيق تجميل، وبدون كبرياء؛ عيناها كانت زائغتين كأنها تستوعب لأول مرة أن الجدران بدأت تضيق. أول ما دخلت، انتفض طارق من مكانه وهو يبتسم بسخرية مريرة وقال بصوت مرتفع: — أهو.. المدام شرفت! جاية تداري فضيحتها بملف التزوير؟ سيادة المستشار، أنا أطالب بتحويلها للطب الشرعي، الست دي غير متزنة ومتهة في شرفها، وكل اللي بتعمله ده محاولة لابتزازي بعد ما كشفت خيانتها!

المحقق ضـ,ـرب على المكتب بحسم: — متكلمش من غير إذن يا متهم! اقعد مكانك. التفتّ المحقق إليّ بنظرة هادئة وقال: — أستاذة ريهام، الدفاع قدم حافظة مستندات تتهمك بالزنا، وشهادات طبية تفيد بعدم أهليتك النفسية، بالإضافة لشهادة السائق والبواب. ما هو ردك؟ تقدمت بخطوات ثابتة، ووضعت حقيبتي على المكتب. أخرجت منها الملف الأول، وقلت بثبات:

— سيادة المستشار، هذا هو التقرير الطبي المعتمد والتحليل الجيني المستخرج من المستشفى الأمريكي، والموثق رسميًا ببصمة المتهم الجينية يوم ولادة ابننا يوسف، وهو يثبت نسبه القاطع للمتهم، وينسف ادعاء الزنا كليًا. أما بخصوص الشهود، فهذه كشوف حسابات البنك لشركة “العادلي للمقاولات” تثبت تحويل مبالغ مالية ضخمة لحساب السائق والبواب قبل 48 ساعة فقط كـ “مكافأة استثنائية”، وهي رشوة واضحة لشهادة الزور، أطالب بضمها للقض*ية وتحويل الشاهدين للمحاكمة. ساد الصمت الغرفة. محامي طارق الأكبر التفت إليه وبدأ يوشوشه بحدة، بينما وجه طارق بدأ يتحول للون الأحمر الداكن، وعروق رقبته برزت من الغيظ.

أخرجت الملف الثاني، وكان يحمل شريطًا أحمر. وضعت يدي عليه وبصيت لطارق مباشرة، نظرة جعلته يتراجع لخل الخلف غريزيًا. — أما هذا يا سيادة المستشار… فهو “التقرير الأسود”. المحقق اعتدل في جلسته بوجل: — ما هو التقرير الأسود يا أستاذة ريهام؟ قلت بصوت مسموع تردد صداه في الغرفة:

— طارق العادلي لم يكن يعمل بمفرده. طارق كان مجرد “الواجهة الفخمة” لشبكة معقدة. هذا الملف يحتوي على مستندات وفلاشة مشفرة مسحوبة من سيرفر الشركة السري، تكشف أسماء 4 شخصيات نافذة في مجالات مختلفة، كانوا يسهلون له مناقصات أراضي الدولة في التجمع والرحاب مقابل نسب مئوية تُحول لحسابات “أوفشور” في قبرص. هذا الملف يضم عقوداً لشركات وهمية، وتواريخ الحوالات، وأرقام الحسابات السرية، وصور الشيكات الموقعة بأسماء هؤلاء المسؤولين. انطلقت صرخة مكتومة من الحجة نجوى:

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى