منوعات

جوزى بيضـ,ـربنى 2

— خربتي بيتنا.. الله يربك يا شيخة! وقعتي الناس الكبار؟ إحنا هلوت بنمـ,ـوت! طارق فقد أعصابه تماماً، وقام من مكانه مندفعاً نحوي والكلابشات تصدر صوتاً حاداً، وهو يصرخ بجنون: — هق-تلك يا ريهام! والله العظيم ما هسيبك عايشة! إنتي دمرتي كل حاجة! دمرتي حياتي! تصدى له أفراد الأمن فوراً وثبتوه أرضاً، بينما كان يتنفس بسرعة وجنون. المحقق نظر إلى المستندات بذهول، ثم رفع عينيه وأمر الكاتب:

— يُحرز الملف والفلاشة سرياً فوراً. يُجدد حبس المتهم طارق العادلي ووالدته نجوى الشهاوي 15 يوماً إضافية على ذمة التحقيق بتهم غسيل الأموال، وتزوير محررات رسمية، وتقديم رشاوي لموظفين عموميين، مع إحالة ملف المسؤولين الواردة أسماؤهم لجهات التحقيق السيادية العليا. وتُحفظ الشاكية ريهام في مكان آمن تحت حراسة وزارة الداخلية. أثناء سحب طارق لخارج الغرفة، كان يتخبط كالمذبوح. الإمبراطورية لم تعد تشرخ فحسب، بل كانت تتداعى فوق رأسه ورؤوس الحيتان الكبيرة التي ظن يوماً أنها ستحميه.

خرجت من دار القضاء العالي، وشمس القاهرة تضـ,ـرب وجهي. ركبت السيارة التابعة للحراسة، وأنا أعلم أن المعركة لم تنتهِ بعد. طارق والشركاء الكبار الذين كشفتهم يمتلكون سلطة ونفوذاً يمتد تحت الأرض، والضـ,ـربة القادمة منهم ستكون ضـ,ـربة حياة أو مـ,ـوت. أخرجت هاتفي، ونظرت إلى صورة يوسف، وقلت في سري: “لقد بدأت المعركة الحقيقية الآن يا طارق.. ولن تتوقف حتى نصل للمحطة الأخيرة”.

جاءت لحظة الحسم التي انتظرها الجميع بعد أشهر من التحقيقات الماراثونية والضغوطات الكواليسية التي حبست أنفاس الرأي العام. لم تكن المحاكمة مجرد قض*ية تعذيب زوجة، بل تحولت إلى قض*ية رأي عام ومحاكمة لشبكة فساد متشعبة سقطت فيها رؤوس كبار المسؤولين الذين ظنوا يوماً أنهم فوق المساءلة. في قاعة جنايات القاهرة، التي اكتظت بالصحفيين والمحامين والفضوليين، جلست في الصف الأول بثبات لم أعهده في نفسي من قبل. بجانبي كان يجلس ابني “يوسف” يمسك بيدي الصغيرة، وعلى الجانب الآخر صديقتي ومحاميتي “نهى”.

في قفص الاتهام، كان المشهد يختصر كل معاني انكسار الطغيان. طارق العادلي، الذي كان يدخل القاعات كالملك، كان يقف اليوم بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان يملأهما الانكسار والخوف. وبجانبه والدته الحجة نجوى، التي انحنى ظهرها وتوارت خلف الطرحة البيضاء هرباً من كاميرات الصحافة. بعد أن كشفت التحقيقات أن كل نفوذهم كان مجرد بالون منفوخ بالمال الحرام والبطش. ساد صمت رهيب في القاعة مع دخول هيئة المحكمة. اعتلى رئيس المحكمة المنصة، ونظاراته القراءة تستقر على أرنبة أنفه، وفتح الملف الضخم الذي سُطرت فيه نهاية إمبراطورية العادلي.

تنحنح القاضي، وبدأ بقراءة حيثيات الحكم بصوت رخيم هز جدران القاعة: > “إن المحكمة وهي بصدد هذه الدعوى، لم تجد في أوراقها مجرد زوج تجرد من مشاعر الإنسانية واستقوى على زوجته بالضـ,ـرب والمهانة، بل وجدت نموذجاً صارخاً للفساد المالي والاجتماعي، ظن صاحبه أن سلطة المال تمنحه الحق في استعباد البشر وسـ,ـرقة مقدرات الوطن والتستر خلف واجهات زائفة. إن العدالة لا تعمى عن الحق وإن طال الزمن، ومن ابتغى العزة في غير الحق أذله الله من حيث لا يحتسب.”

> التفت القاضي نحو قفص الاتهام، ونطق بالأحكام التي نزلت كالصواعق: * **أولاً:** معاقبة المتهم طارق العادلي بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً عن تهم غسيل الأموال، والرشوة، وتزوير المحررات الرسمية، وبثلاث سنوات إضافية مع الشغل والنفاذ عن تهمة الضـ,ـرب المفضي إلى عاهة مستديمة والبلطجة والتزوير في نسب الابن. * **ثانياً:** معاقبة المتهمة نجوى الشهاوي بالسجن لمدة 7 سنوات عن تهمة الاشتراك والتستر في جرائم غسيل الأموال والشهادة الزور. * **ثالثاً:** مصادرة جميع أموال وممتلكات وعقارات “مؤسسة العادلي للمقاولات” داخل وخارج مصر لصالح خزينة الدولة، وإحالة المسؤولين المتورطين في “التقرير الأسود” إلى المحاكمة العاجلة.

تعالت الصرخات داخل القاعة. سقطت الحجة نجوى مغشيًا عليها، بينما انهار طارق تماماً وتمسك بقضبان القفص وهو ينظر إليّ صارخاً بلا صوت، والدموع تجري على وجهه لأول مرة. لم أشمت، ولم تدمع عيني. أخذت نفساً عميقاً وشعرت لأول مرة منذ أربع سنوات أن الوجع الذي في ضلوعي قد شُفي تماماً، وأن الكدمات التي على جسدي قد زالت بلا عودة. تلقيت تهاني زملائي في النيابة العامة والمحامين الذين أشادوا بشجاعتي، وعدت إلى بيتي الجديد—شقة صغيرة دافئة اشتريتها من تعبي وعملي المستقل بعد أن عدت لمنصبي كمفتشة حسابات بكرامة مرفوعة.

### الحكمة من القصة جلست في شرفتي ليلاً، وأنا أنظر إلى السماء الصافية، وتأملت في كل ما حدث، وخرجت بحقائق صاغتها الدماء والدموع: * **الظلم لو طال ليله.. فالفجر قادم لا محالة:** إن القوة المبنية على البطش والمال الحرام هي أوهن من بيت العنكبوت. قد يظن الظالم أنه في مأمن لأن لديه نفوذاً، لكنه ينسى أن تدبير الله أسرع، وأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

* **الكرامة أغلى من القصور:** البيوت الفخمة في “الكومباوندات” لا تصنع سعادة إذا كانت من الداخل سجوناً انفرادية. إن العيش في حجرة واحدة بكرامة وحرية، أفضل بمليون مرة من العيش في قصر يُكسر فيه خمار المرأة وتُهان فيه إنسانيتها. * **سـ,ـلاح المرأة هو وعيها وعملها:** طارق افتكر أنه لما أجبر ريهام تقعد في البيت مسح عقلها، لكن التعليم والوعي هما الدرع الحقيقي للمرأة. الست اللي معاها سـ,ـلاح علمها ومهنتها، مفيش راجل يقدر يكسرها للأبد، لأنها في اللحظة المناسبة هتعرف إزاي تاخد حقها بالقانون والذكاء، مش بالصوت العالي.

* **البيوت أسرار.. ولكن ليس على حساب الدماء:** تستر الأهل على أخطاء أولادهم بحجة “اسم العيلة والفضيحة” زي ما عملت أمه، مش بيحمي البيت، ده بيزود غي المتهم لحد ما يقع في شر أعماله ويجر العيلة كلها معاه للقاع. مسكت إيد ابني يوسف وهو نايم في سريره، وقلت له بصوت واطي: “خلاص يا حبيبي.. الكابوس انتهى، ودلوقتي بس نقدر نبدأ نعيش.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى